الثلاثاء 2 ذو الحجة 1447هـ 19-5-2026م 10:45 ص

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

اعلموا -عباد الله- أننا مشرفون ومقاربون لشهرٍ عظيم من أشهر الله عز وجل، فيه تُغفر الذنوب وتُرفع الدرجات، هذا الشهر -يا عباد الله- شهر رمضان، لم يبقَ بيننا وبينه إلا أيامٌ وليالٍ قليلة، فنسأل الله جل وعلا أن يبلغنا وإياكم شهر رمضان المبارك.

حث النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك ربنا جل في علاه، والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته، على صيام نهاره، وعلى قيام ما تيسر من ليله، ورتب الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الأجور العظيمة، قال عليه الصلاة والسلام: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه)).

إن دل فإنما يدل على أن هذا الشهر شهر عظيم، شهر مبارك، إذا صامه الإنسان إيمانًا، أي أن الله جل وعلا شرع في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا احتسابًا للأجر والثواب من الله عز وجل، إلا كان سببًا في غفران ما تقدم من ذنبه إذا اجتنب العبد كبائر الذنوب.

وهذا الشهر -يا عباد الله- خصه الله جل وعلا بليلةٍ هي من أفضل الليالي على الإطلاق، إنها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، كما قال الله عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، وهكذا أيضًا حباه الله جل وعلا أن جعله زمنًا وظرفًا لنزول خير الكلام، كلام ربنا جل في علاه، فإن الله جل وعلا أنزل هذا القرآن العظيم، هذا القرآن المجيد الذي به يشرح الله جل وعلا الصدور، وهكذا يعظم الله عز وجل به الأجور، وهكذا يرفع الله جل وعلا به الدرجات إن تعبد الإنسان بتلاوته وتدبره والعمل به.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)). فهو شهر القرآن، فإن الله عز وجل أنزل هذا القرآن في أعظم ليلة من الليالي، وفي أعظم الشهور، أنزله في ليلة القدر في رمضان على نبينا صلى الله عليه وسلم، أنزله كله إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، ثم نزل منجمًا مفرقًا على نبينا عليه الصلاة والسلام بحسب الوقائع والأحداث، وقيل ابتدأ نزول هذا القرآن في ليلة القدر ثم نزل في غيره، فقد أكرم الله جل وعلا هذا القرآن كلام الله عز وجل بإنزاله في هذا الشهر.

إذا هذا الشهر -يا عباد الله- شهر القرآن، ولهذا كان سلف الصالح، وكان علماؤنا إذا أقبل رمضان قالوا: “إنما هو شهر القرآن وإطعام الطعام”، كان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام إذا جاء رمضان أقبل على القرآن، نزل جبريل عليه السلام يدارس نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام القرآن، وذلك في كل ليلة، ولما كان العام الذي توفي النبي صلى الله عليه وسلم دارسه القرآن مرتين، إن دل إنما يدل على فضل تلاوة وتدبر كتاب الله عز وجل في هذا الشهر، أكثر من تلاوة القرآن، وأكثر أيضًا وتمعن من تدبر القرآن، فإن هذا الشهر شهر القرآن، كان سلفنا إذا أقبل رمضان أقبلوا على تلاوة كتاب الله عز وجل وعلى تدبر كتاب الله عز وجل.

وهكذا -يا عباد الله-، إذا جاء رمضان على المسلم أن يُخلي قلبه، وأن يُنظف صدره من الآثام والذنوب، فإن ذلك من أعظم ما يكون عونًا للعبد على استقبال رمضان بمحبةٍ ورغبة، فإن العلماء يقولون: “التخلية قبل التحلية، خلِّ قلبك من الذنوب والآثام والمعاصي، سواء كان في حقوق الله عز وجل أو ما يتعلق بحقوق الخلق، وأقبل بقلبٍ أبيض، أقبل بقلبٍ نظيف صافٍ نقي، حتى تجد الراحة واللذة والرغبة في الإقبال على شهر الصيام، وعلى شهر القيام، وعلى شهر تلاوة القرآن”.

وهكذا -يا عباد الله-، يجب أن نعلم أن من أعظم المقاصد في صيام رمضان هو التحقيق للتقوى الله عز وجل، فإن الحكمة والغاية العظمى من شرعية صيام رمضان على المسلمين حتى يحققوا التقوى لله عز وجل، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

هذه هي الغاية، وهو أن يتمرس الإنسان، وأن يتعود الإنسان في شهر الصيام على الطاعة، قيامًا بالمأمور واجتنابًا للمحظور، وهكذا قيامًا بالمستحبات، ابتعادًا عن المكروهات، يكمل الإنسان نفسه في طاعة الله عز وجل وفي مرضاته، وكثير من الناس إلا من رحم الله جل وعلا لا يفهم هذه الغاية ولا يدرك هذه الغاية، وهي تحصيل التقوى من صيام شهر رمضان، لا يدرك هذا الأمر العظيم، ألا وهو تحقيق التقوى الذي هو امتثال الأمر واجتناب النهي، هذه هي التقوى التي يقي بها الإنسان نفسه من عذاب الله عز وجل.

وهكذا أيضًا -يا عباد الله-، إذا أقبل شهر رمضان، وشهر العبادة والصيام والقيام، على العبد المسلم أن يقبل بقلبه وقالبه على هذه العبادة، فإن من هدي نبينا، وهكذا من هدي صحابة نبينا، وأسلافنا الصالحين، والعلماء كذلك العاملين، إذا أقبلت مواسم الخير والطاعة أقبلوا عليها بكل ما أوتوا، لربما كانوا يستقبلون رمضان قبل مجيئه بستة أشهر، لعلمهم أن هذا شهر مغفرة الذنوب ورفع الدرجات، فيستقبلون رمضان قبل مجيئه بستة أشهر، وإذا جاء أقبلوا على عبادة الله عز وجل فيه، وإذا انتهى وولى سألوا الله جل وعلا أن يتقبل منهم ما عملوه في هذا الشهر، معنى ذلك أن أسلافنا على هذه العبادة استقبالًا وقيامًا، وسؤال الله عز وجل أن الله عز وجل أن يتقبل منهم الطاعات، ويتقبل منهم المبرات.

والناس -يا عباد الله- إذا جاء رمضان هم أصناف ثلاثة، من الناس: إذا جاء رمضان لا تراه في النهار إلا نائمًا، نائمًا عن الواجبات وهي ما يتعلق بالصلوات، وهكذا نائمًا عن الصلوات في جماعات، إن صلى لربما صلى في بيته، وهكذا كما قلنا يتخلف عن الجماعات، ربما لا تراه إلا في يوم الجمعة، وهذا -والله- حرمان أن يقضي الإنسان نهاره في النوم، وهكذا إذا جاء الليل أقبل على اللهو واللعب، وربما زاد على ذلك ودخل فيما حرم الله جل وعلا من الكلام والنظر والسماع.

فاتق الله -يا عبد الله-، هذا شهر كان الصالحون يفرحون بقدومه لعلمهم أنه شهر غفران الذنوب ورفع الدرجات، والإنسان لا يسلم من الذنوب والآثام كبيرها وصغيرها، وهكذا يرجو الله جل وعلا أن يرفع درجته في الجنة، فمن الحرمان -والله- إذا أقبل رمضان رأيت من يقبل في نهاره على النوم، وفي ليله على السهر، إما في اللهو واللعب، وإما على ما حرم الله جل وعلا من الأقوال ومن الأفعال ومن السماع ومن النظر، هذا -والله- يعتبر حرمانًا، لهذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صعد المنبر الدرجة الأولى والثانية والثالثة وهو يقول: ((آمين))، فقالوا: “على ما تؤمن يا رسول الله؟” ذكر فيما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: ((ورجل أدركه رمضان ثم لم يغفر له، فقل آمين، فقلت آمين))، -أي أن الله يبعده عن هذا الخير-.

ألا فاتقوا الله -يا عباد الله- وأنتم مقبلون، انظروا إلى هدي نبينا عليه الصلاة والسلام متى يتهيأ لرمضان، يتهيأ من شعبان، فيصوم شعبان إلا قليلًا، وفي لفظ يصوم شعبان كاملًا، وذلك استعداد للإقبال على رمضان، فإن الإنسان إذا تعود الطاعة والقربة والمبرة سهلت عليه في أيام رمضان، فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يهيئ نفسه لقبول وتقبل رمضان والإقبال على رمضان، وذلك بصيام شعبان، -فيا عباد الله- هذه -والله- مواسم خير وهي تفوت إلى غير رجعة، فإذا أقبلت ولم يستغلها الإنسان ولم يستثمرها الإنسان فاتت إلى غير رجعة، ولعلك لا تبلغ رمضان آخر، فاسأل ربك سبحانه وتعالى أن يبلغك هذا الشهر وهو شهر رمضان، وأن يعينك على صيامه وعلى قيامه، والله المستعان.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

الصنف الثاني -يا عباد الله- من أهل رمضان: من يقبل على الإكثار من صنع المشروبات والمأكولات ويبالغ مبالغة عظيمة، وخاصة في جانب النساء، ارحموا النساء في شهر رمضان، كما أنك تحب أن تتعبد لله جل وعلا في رمضان بصيامه وقيامه والإقبال على تلاوة القرآن، اترك مجالًا لأختك، لابنتك، لزوجتك حتى تتعبد لله عز وجل، ولا ترهقها بكثرة الأعمال المطبخية في صنع المأكولات وفي تجهيز المشروبات، وربما زاد على ذلك ودخل في باب الإسراف، وربما امتلأ بطنه بالمآكل والمشارب، فثقل عن طاعة الله عز وجل، وإذا ثقل الإنسان عن طاعة الله عز وجل قسا قلبه عن هذه الطاعة لله عز وجل.

ونحن لا نحرّم على الناس ما أحل الله جل وعلا من المآكل والمشارب، لكن لا تشغل نفسك، نرى كثيرًا من الناس إذا جاء رمضان يبالغ في المآكل والمشارب وفي صنعها وفي تجهيزها، هذا شهر الصوم ما هو شهر الأكل والشرب والتخمة -يا عباد الله-. وهكذا أيضًا -يا عباد الله- الصنف الثالث هو من وفقه الله جل وعلا وعرف لرمضان قدره، وأنه شهر العبادة، شهر الطاعة، شهر الرحمة، شهر المغفرة، فأقبل بكله على هذا الشهر وعلى هذا الموسم، فأخذ منه بنصيب عظيم من الطاعات.

وهذا الشهر -يا عباد الله- لا يأتي في السنة إلا مرة واحدة، فهذه -والله- من الفرص، إذا أقبل رمضان فأقبل على ما ينفعك في مرضاة الله جل وعلا وفي طاعة الله عز وجل، فإن الطاعات في شهر رمضان كثيرة، إذا عجزت عن التلاوة بقي إفطار الصائمين، إذا عجزت عن إفطار الصائمين بقي الإقبال على التسبيح والاستغفار والتهليل والاستكثار من النوافل، وهكذا مشارب الخير وأبواب الخير كثيرة.

إذا أقبل رمضان فاجعل كلك لرمضان، فإنها -والله- من الفرص التي إذا ذهبت وولت لا ترجع مرة أخرى، وعليك أن تقرأ في سير سلف هذه الأمة كيف كانوا يفرحون إذا قدمت مواسم الخير والتجارة والأرباح، لا يعني أرباح الدنيا وتجارة الدنيا التي تذهب بموت الإنسان وربما تذهب، وهكذا أيضًا لا تعوض، أما الأجور فيما بين العبد وما بين ربه سبحانه وتعالى فإنه يعمل قليلًا ويتحصل كثيرًا من الأجور، وهكذا الحسنات، وهكذا تكفير السيئات، فهذه -والله- من الفرص -يا عباد الله- ونحن على مشارف هذا الشهر المبارك، هذا الشهر العظيم.

الله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم ممن يقبل على رمضان بقلبه وقالبه، وهكذا يستثمره في طاعة الله عز وجل وفي مرضاته سبحانه وتعالى.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *