الأثنين 1 ذو الحجة 1447هـ 18-5-2026م 7:03 ص

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

نقف في هذه الخطبة وقفاتٍ مع شهر شعبان، فإننا قد دخلنا في راتبة رمضان، ألا وهو شهر شعبان، وشعبان مشتقٌّ من التشعُّب، فإن العرب كانوا يتشعَّبون، أن يتفرَّقون، وهكذا القبائل في البحث عن الماء في شهر شعبان، وقيل: إنهم يتشعَّبون، أن يتفرَّقون لإدراك خصومهم وأعدائهم، فإنهم لما سكنوا في شهر الله الحرام رجب، وكانوا لا يقاتلون في شهر رجب، لما جاء شعبان تشعَّبوا، أي تفرَّقوا يبحثون عن أعدائهم وعن خصومهم، وقيل: إنه مشتقٌّ من التشعُّب في إدراك الفضائل تمهيدًا لرمضان، هكذا هي معاني شعبان.

وشعبان، -يا عباد الله-، هو شهرٌ ما بين رجب وما بين رمضان، هذا الشهر أولاه النبي صلى الله عليه وسلم اهتمامًا في عبادةٍ واحدة، ألا وهي عبادة الصيام، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُكثر الصيام في شعبان، وهكذا جاء من حديث أم سلمة حتى قالت رضي الله تعالى عنها: “إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله”، وفي لفظ: “يصوم شعبان أكثره”.

والحكمة من صيام هذا الشهر، أو قبل الدخول في ذكر سبب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر، وتخصيص هذا الشهر بالصيام دون الصلاة والصدقة والعمرة والحج، سيأتي الكلام على هذا التعريض، لكن هل كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يصوم شعبان كاملًا أو يصوم أكثر شعبان؟ قولان للعلماء: من قائلٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان حتى يتصل برمضان، وأخذوا بظاهر قول عائشة رضي الله تعالى عنها فيما نقلت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قائلٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر شعبان، والثاني هو الصحيح من أقوال العلماء، ودليل ذلك أن عائشة رضي الله تعالى عنها في حديثٍ آخر قالت: “ما صام النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا قط، ولا قام ليلةً كاملةً قط، واستثنت إلا رمضان، واستثنت من القيام إلا العشر الأواخر من رمضان.

فنستفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثر شعبان، والعرب قد تعبِّر عن الغالب بالكل، يصوم شعبان، -أي يصوم أكثر شعبان-، وسبب صيام النبي صلى الله عليه وسلم لشعبان ما جاء في سنن النسائي وأبي داود وغيرهما من حديث أسامة حِبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسامة بن زيد، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب إكثاره من صيامه في شعبان دون غيره من الشهور عدا رمضان، قال النبي صلى الله عليه وسلم معللًا ذلك وذاكرًا للسبب في ذلك، قال: ((هذا شهرٌ يغفل عنه الناس، وأنا أحب أن يُصعَد عملي إلى الله وأنا صائم)).

هكذا علل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشهر؛ لأنه كائن بين رجب المعظَّم عند أهل الجاهلية، وهكذا من تأثر بأهل الجاهلية من أهل الإسلام، ورمضان بالمقابل هو شهر الإسلام المعظَّم، فيغفل كثير من الناس في شعبان عن الصيام، لأجل هذا صام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان وأكثر من صيامه.

قال العلماء: “تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم للصيام في شعبان دون غيره من العبادات لأمور: الأمر الأول أن الناس يغفلون بالكلية عن الصيام في هذا الشهر، بخلاف غيره من العبادات، ربما قاموا بها، الأمر الثاني أن كون الإنسان يأتي بالصيام”، هذه عبادة ما بين الإنسان وما بين ربه، فهي أخفى وأسرُّ ما بين العبد وما بين ربه تبارك وتعالى، ولأنها تستغرق النهار كاملًا، وفيها من المشقة، وفيها أيضًا أنها تمهيدٌ للحصول إلى شهر رمضان، فإن الإنسان إذا اعتاد الخير سهل عليه الخير، وهكذا الإنسان إذا اعتاد الصيام قبل رمضان سهل عليه القيام برمضان من حيث الصيام، وهكذا هو كالراتبة لرمضان، فإن بين يدي الفرائض الرواتب، رواتب كالصلوات، وهكذا فيما يتعلق بصيام رمضان، فراتبة رمضان شعبان، لأجل هذا خصَّه النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام.

والمعنى الثاني، -يا عباد الله-، أن الناس حينما يتهيؤون لرمضان في قلب المآكل والمشارب والإعداد لرمضان، لربما تناسوا العبادة في هذا الشهر، والإقبال على الله جل وعلا في زمن الغفلة من أعظم ما يُتقرَّب به العبد إلى ربه تبارك وتعالى، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم، صاحب الذنب المغفور ما تقدم منه وما تأخر، أن يستكثر من الأعمال في أيام وشهر الغفلة، فعلل النبي صلى الله عليه وسلم سبب هذا الصيام، وأخبر أن الأعمال ترتفع إلى الله جل وعلا.

وذكر العلماء أن أعمال بني آدم على أربعة أقسام من حيث اطلاع الله عز وجل عليها، ومن حيث رفعها إلى ربنا تبارك وتعالى: الرفع اليومي كما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعمال النهار تصعد إلى الله قبل أعمال الليل، وأعمال الليل تصعد إلى الله قبل أعمال النهار))، فأخبر أن الأعمال اليومية في صباحها ومسائها تصعد إلى الله جل وعلا، وهذا هو القسم الأول في صعود الأعمال إلى الله جل وعلا.

والقسم الثاني: صعود الأعمال الأسبوعية، وقد جاء في الحديث، وفيه كلام، وبعض العلماء حسَّنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر صيام الإثنين والخميس قال: ((ذاك يوم تُصعَد فيه الأعمال إلى الله عز وجل، فيغفر الله لكل مسلمين عدا المتشاحنين))، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما الأعمال السنوية، فكما في حديث أسامة هذا، أنه كان عليه الصلاة والسلام يتعبد لله بالصيام؛ لأن الأعمال تصعد إلى الله، وهي ختام العام والسنة، والأعمال بالخواتيم.

وأما الأعمال العمرية، فهي إذا مات الإنسان ارتفعت أعماله من خيرٍ ومن شرٍّ إلى ربه تبارك وتعالى.

لأجل هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى الصيام في هذا الشهر، وذكر العلماء مسألةً مهمةً جدًا، ألا وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الحرام))، وإذا نظرنا إلى قوله أو فعله عليه الصلاة والسلام لم يُنقل أنه كان يصوم شهر الله المحرم، ما السبب ذلك؟ قال الإمام النووي عليه رحمة الله عند شرح هذا الحديث: “أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنقل أنه صام شهر الله المحرم مع أنه القائل: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الحرام))، قال: لعله ما أخبر عن فضله إلا في آخر عمره، أو لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان معذورًا بمرضٍ أو سفر”، ولم يرتضِ الحافظ ابن رجب عليه رحمة الله هذا الجواب، فأجاب بجوابٍ متين.

هذا الجواب، -يا عباد الله-، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على شعبان، وذكر أن الناس يُقبلون في شعبان، ولأنه كالراتبة، ولأنه كالتمهيد لدخول رمضان، فهذه فضائل تتعلق بعبادةٍ مقيَّدة، فإن شعبان كالعباداتٍ مقيَّدة كالرواتب قبل الفرائض، بخلاف صيام شهر الله المحرم، فهو كالنافلة المطلقة، وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصلاة بعد الفرائض، قال: ((صلاة الليل))، قال العلماء: النافلة أو الراتبة القبلية للصلوات أفضل من صلاة الليل التي هي صلاة مطلقة، دليل ذلك أن النفلة المقيَّدة كالراتبة القبلية والبعدية للعبادات أفضل عند الله عز وجل من النافلة المطلقة من قيام الليل، هكذا وجَّه العلماء هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض فيما يتعلق بالفضائل.

فنبينا صلى الله عليه وسلم يصوم ثم يحث الأمة على صيام شعبان، هذا الشهر الذي يُغفل فيه الكثير من الناس، فمن استطاع أن يصوم شعبان إلا قليلًا، أو ما تيسَّر الله من ثلاث أيام من كل شهر، أو إثنين وخميس، فلا يحرم الإنسان نفسه من هذه الفضائل، والله المستعان.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

وأما ما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا))، هذا الحديث عند العلماء معلٌّ، أي أنه منكر، يتعارض مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صيام شعبان إلا قليلًا، ويتعارض مع ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصم))، معنى ذلك أننا لا نتقدَّم رمضان بيومٍ أو يومين، أما بثلاثة أيام أو أربعة أو ما زاد على ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَ عن ذلك، ورخَّص في ذلك، فاستدل العلماء بهذين الحديثين، بفعله وقوله عليه الصلاة والسلام، على نكارة ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا))، وأيضًا هو من طريق راوٍ لا يُعرف بأنه من تلاميذ من روى عنه.

فهكذا يجب علينا، -يا عباد الله-، وينبغي علينا، -يا عباد الله-، أن نُوطن هذه النفوس فيما يتعلق بعبادة الصيام، ونهيِّئ هذه النفوس فيما يتعلق بعبادة الصيام، حتى إذا دخل علينا شهر رمضان قد تهيَّأنا لصيامه.

وفي هذا المقام، وقبل الختام، جاءت أحاديث منكرة ليست ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيص النصف من شعبان بصيامٍ وقيام، فإننا نرى عامة الناس، وهكذا ربما تراه في الإعلام المرئي أو المقروء أو المسموع، التحديث بأحاديث لا تثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في ذكر فضائل النصف من شعبان صيامًا أو قيامًا، وقد جاء من حديث عائشة ومن حديث أبي موسى أن الله عز وجل يطَّلع أو ينزل في النصف من شعبان إلى سماء الدنيا، جاء من حديث أبي موسى وجاء من حديث عائشة، ولا يثبت في فضل صيام نهار النصف من شعبان ولا في قيامه شيء عن المعصوم عليه الصلاة والسلام، وهكذا ما تُقام فيه من الإحتفالات في آخر شعبان، ما يُسمَّى في بعض البلدان بشعبانيات، هذه من الخرافة، وليست من دين الله عز وجل في شيء.

الثابت عن المعصوم عليه الصلاة والسلام هو صيام شعبان إلا قليلًا، أو ما يسَّر الله عز وجل من صيام هذا اليوم أو من صيام هذه الأيام، فاحذر، -يا مسلم-، من الابتداع في دين الله عز وجل، عليك أن تكون متَّبعًا، وأن تكون مخلصًا لرب العالمين سبحانه وتعالى، فإن عبادةً قليلةً كانت أو كثيرةً، من صيامٍ أو قيامٍ أو من صدقةٍ أو من غيرها من العبادات، لا تُقبل عند رب العالمين سبحانه وتعالى إلا بإخلاصٍ لا تريد به إلا وجه الله، ومتابعةٍ للمعصوم عليه الصلاة والسلام.

الله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلِّين.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *