الأثنين 24 ذو القعدة 1447هـ 11-5-2026م 3:50 م

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فإن من نعم الله عز وجل على عباده مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، بعثه الله جل وعلا بالهدى ودين الحق، كما قال الله جل وعلا: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. بعث عليه الصلاة والسلام بالهدى، وهكذا بالحق، أي بالعلم النافع والعمل الصالح.

أكمل الله جل وعلا به الدين، وأتم الله عز وجل به النعمة، وصدق ربنا جل في علاه إذ يقول في كتابه الكريم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. فأتم الله عز وجل بهذا النبي الإسلام، وأكمل الله عز وجل بهذا النبي الإسلام، وأتم الله عز وجل به النعمة.

ما من خير إلا ودل عليه الصلاة والسلام، وما من شر إلا وحذر منه عليه الصلاة والسلام، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله عز وجل به الغمة، تركنا على مثل البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، ليلها كنهارها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

ما من خير إلا ودل عليه، وما من شر إلا وحذر منه، علم من علمه وجهل من جهله. إن الأمر والبقاء على دين الله عز وجل هو الذي كان عليه أسلاف هذه الأمة، فإن الأسلاف من الصحابة ومن جاء بعدهم نقلوا ما جاء عن المعصوم عليه الصلاة والسلام.

وهذه الآية المتلوة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، وهي من آخر الآيات نزولًا على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، نزلت في يوم عظيم وفي مكان كريم، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة، وفي مكان عرفة، في حجة الوداع التي ودع النبي صلى الله عليه وسلم فيها الأمة.

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا، فعلى المسلم أن يتأمل في عموم هذه الآية من حيث منطوقها ومن حيث مفهومها، فإنها اشتملت على أن هذا الدين بالمنطوق مكتمل، واشتملت من حيث المفهوم على أن هذا الدين لا نقص فيه.

لو أن إنسانًا يدعي أن هذا الدين لم يكتمل، وأن هذا الدين فيه نقص، فإنه لم يقبل هذه الآية المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم، لا من حيث منطوقها ولا من حيث مفهومها، بل إنه بإحداثه في دين الله جل وعلا يعتبر مستدركًا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ما بلغ الأمة ولا نصح الأمة ولا كشف الله عز وجل به الغمة.

وقد قال الله جل وعلا في نبيه محمد عليه الصلاة والسلام: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}. نشهد لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله عز وجل به الغمة، حتى ترك هذه الأمة على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

فالاستدراك على النبي صلى الله عليه وسلم أن من الخير ما لم يبلغه عليه الصلاة والسلام، فإن هذا يعتبر اتهامًا للنبي صلى الله عليه وسلم أنه كتم خيرًا ولم يبلغه، أو هكذا أيضًا اتهام لرب العالمين سبحانه وتعالى أن من الخير ما لم يدل به نبيه عليه الصلاة والسلام، واتهام أيضًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أخفوا من الخير الذي دل عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قال الله جل وعلا في هؤلاء الصحب الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. لم يبدلوا في هذا الدين ولم يغيروا في هذا الدين، بل بلغوه كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الإحداث في دين الله عز وجل -يا عباد الله- من الأمور التي تُمحى بها السنة وتُستقر بها البدع، ما حلت في الأمة بدعة إلا رُفع ما يقابلها من السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن الإحداث في دين الله جل وعلا من أسباب الفرقة والتمزق والتشرد، وهكذا العداوة بين أهل الإسلام.

وليس من صفات أهل الإسلام التفرق ولا التمزق ولا التشرد، بل إن هذه الأمة أمة واحدة، مجتمعة على كتاب الله وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الأسلاف، فإن البدع -يا عباد الله- إذا دبت إلى الأمة مزقتها وفرقتها وأضعفتها، وتسلطت عليها الكفار، فإن من سيماء أهل الإيمان وأهل الإسلام الإعتصام بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه سلف هذه الأمة.

الإحداث في دين الله عز وجل الدخول فيما اختص الله عز وجل به، فإن الله عز وجل اختص بالتشريع، فلم يكن هذا إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، فإن التشريع من خصائص رب العالمين سبحانه وتعالى، قال الله جل وعلا في كتابه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ}.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) أو ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)) أي مردود على صاحبه.

فإن الإهتمام بالبدع، سواء كانت قولية أو كانت فعلية، سواء كانت تركية أو كانت عقدية، سواء كانت في أبواب العبادات أو في أبواب المعاملات، فإن هذه مضاهة لحق الله عز وجل الخاص، حق الله جل وعلا التشريع، حق الله عز وجل الخالص.

فإن من خصائص رب العالمين سبحانه وتعالى التشريع، فلا يشرع أحد مهما بلغت منزلته عند الله جل وعلا، لا من الأنبياء والرسل ولا من الملائكة، التشريع حق خالص لرب العالمين سبحانه وتعالى.

فالحذار الحذار -يا عباد الله- من دب البدع، ومن إدخال البدع على دين الله عز وجل.

ألا وإن من البدع التي أُدخلت على دين الله جل وعلا ما يسمى بالمولد، أي الإحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أهل البدع من رافضة ومن شيعة ومن صوفية ومن تأثر بمناهجهم وطرقهم أدخلوا إلى دين الله عز وجل ما لم يشرعه الله عز وجل، لا في كتابه ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولم يفعله أحد من الخلفاء الراشدين، من الصحب المكرمين الطائعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أئمة الإسلام المتبوعين كأحمد ومالك وأبي حنيفة والشافعي، ولم يظهر في قرن من القرون الثلاثة المفضلة المشهود لها بالخيرية من نبينا عليه الصلاة والسلام في قوله: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)).

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من القرون لا تُعرف هذه البدعة فيها، وإنما ظهرت هذه البدعة -يا عباد الله- في آخر القرن الرابع الهجري، ظهرت على أيدي العبيديين الملقبين ظلمًا وزورًا بالفاطميين نسبة إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها.

تأسست هذه الطائفة في تونس من بلاد المغرب، ثم امتدت ثم تمددت إلى بلاد مصر، ثم بعد ذلك انتشرت في بلاد الشام إلى الجزيرة، وأسس هذه الطائفة المسمى بالفاطميين والمسمى بالعبيديين إنهم اليهود أو المجوس، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، والذهبي عليه رحمة الله، وهكذا ابن كثير وجمع من المؤرخين في تاريخ أهل الإسلام.

إن هذه البدعة، بدعة المولد، نشأت في آخر القرن الرابع الهجري، ابتدعها هؤلاء الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: “أظهروا الرفض، -أي كانوا رافضة- من حيث الظاهر، وفي الباطن ملاحدة زنادقة، أكثر من اليهود والنصارى، تلبسوا من حيث الظاهر بمحبة آل البيت حتى يذروا الرماد في العيون”.

يا عباد الله، فُضلت هذه الشبهة وانتشرت هذه الشبهة، لم يقل بها شافعي ولا أحمد ولا مالك ولا أبو حنيفة، أين هؤلاء الأحناف؟ أين هؤلاء الشافعية؟ ينتسبون إلى الشافعية وينتسبون إلى الحنابلة وينتسبون إلى المالكية، وينتسبون كذلك إلى المالكية زعمًا في أبواب الفقه، ثم إذا جاء إلى باب المناهج والعقائد تخلى عن مذهبه.

إن هذه البدعة -يا عباد الله- لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن في زمن أصحابه، زعم هؤلاء أهل البدع أنهم يحتفلون تعظيمًا ومحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، من أشد الناس محبة وتعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، ومع تعظيمهم ومع إجلالهم ومع إحترامهم للنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا هذه البدعة، مع وجود مقتضاها وهكذا مع ارتفاع مانعها، مع هذا لم يفعلوا هذه البدعة.

نظروا إلى قول الله جل وعلا: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي}، محبة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي في امتثال أمره واجتناب نهيه والوقوف عند حدوده وتصديق أخباره، هذا مقتضى أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهذه البدعة لم تظهر في هذا العصر، -أعني عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم-، ولم تظهر في زمن التابعين ولا أتباع التابعين ولا الأئمة الأربعة، إنما ظهرت في زمن هؤلاء المجوس أو هؤلاء اليهود الذين ادعوا محبة آل البيت وأنهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

كما يفعل الإيرانيون في هذا الزمن، يدعون أنهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقتلون أهل الإسلام قتلًا ذريعًا، وهكذا الحال في الحوثيين الذين يدعون محبة النبي صلى الله عليه وسلم، يسبون أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ويقعون في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، -أعني عائشة رضي الله تعالى عنها-، هدموا المساجد وقتلوا أهل الإسلام، ثم يدعون محبة النبي صلى الله عليه وسلم كذبًا وزورًا.

إنها طائفتان، إن أُمكنتا من الإسلام وأهله هدمتا الإسلام وقضتا على أهله، إنها طائفة الشيعة الرافضة وطائفة الصوفية، وليس عنا ببعيد، بل في الزمن القريب لما هجم الحوثة على هذه البلاد لم نر صوفيًا في الجبهات أو رفع بندقه أو رفع كذلك سلاحه على هؤلاء الروافض، بل فرحوا فرحًا شديدًا وفرحوا فرحًا عظيمًا بقدوم الرافضة على هذه البلدان المحررة، لم نر صوفيًا يرفع سلاحًا ضد هؤلاء.

فليحذر أهل الإسلام من هاتين الطائفتين، فإنهما السم الزعاف المبثوث والموجود في أهل الإسلام، كن على حذر، فإن من أخطر الأعداء الذين قد لا يظهرون لكثير من أهل الإسلام إنهما طائفتان: طائفة الرافضة ومن مشى بمشيهم، وطائفة الصوفية، وطائفة الصوفية.

نخشى والله أن تسقط بلاد أهل الإسلام بسبب هاتين الطائفتين، بسبب العدو الباطن، أما اليهود والنصارى فإن عداوتهم لأهل الإسلام ظاهرة وبينة لا تخفى على صغير فضلًا عن كبير ولا على أنثى فضلًا عن ذكر، إنما الذي يخشاه أهل الإسلام من هؤلاء الأعداء الذين تلبسوا بالإسلام وبمحبة النبي وبمحبة آل البيت، ثم هم من يقضي على الإسلام.

لو قرأت التاريخ، لوجدت أنه ما من أمر يقوم بين أهل الإسلام من الحروب والقتال بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر إلا رأيت الصوفية والرافضة في صف أعداء الإسلام.

انظر كيف سقطت سوريا ثم الشام، وبعد ذلك اليمن أو بعض اليمن، وهكذا العراق، وهكذا ترجع إلى التواريخ، لرأيت كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: “إنه من هؤلاء الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر الصراح”.

في زمن القرامطة، لما هجموا على بيت الله الحرام، فقتلوا ثلاثين ألفًا من حجاج بيت الله، وأخذوا الحجر الأسود، تدري من بارك هذا الأمر؟ إنهم العبيديون، إنهم العبيديون في زمنهم، باركوا للقرامطة هذا الأمر الذي حصل على أهل الإسلام.

فليتنبه أهل الإسلام من الأعداء في الداخل، فإنهم والله وتالله وبالله أخطر من الأعداء في الخارج، اقرأ التاريخ، لا تكن مغفلًا -يا مسلم-، من أظهر محبة النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر تؤيده وتناصره وتفرح به.

ونأسف والله، نأسف على الإعلام في الدول الإسلامية والعربية أنها تشيع هذه البدعة وتذيع هذه البدعة على المرئيات والمقروءات والمسموعات لهؤلاء المبتدعة الذين هم الخطر الأكيد على الإسلام وأهله.

نأسف والله من هذه الدول التي تجعل هؤلاء يعيشون هذه الطقوس المبتدعة التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر أهؤلاء أعظم تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر ومن عمر الفاروق؟ لا والله وتالله وبالله، ولكنها دسيسة تدب على أهل الإسلام، يريدون تبديل دين الله عز وجل واستبدال دين الله جل وعلا بالخرافات والبدع.

والله وبالله وتالله إن محاربة أهل البدع والأهواء، ومحاربة البدع والأهواء، لهو أعظم الجهاد عند الله جل وعلا، سئل الإمام أحمد عليه رحمة الله إمام أهل السنة والجماعة لما ذكروا أن فلانًا يتكلم في الناس، -أي يحذر من مناهجهم ومن طرقهم-، ثم بعد ذلك هو يجاهد، فذكر أن من أعظم الجهاد الكلام على البدع وأهلها، على البدع وأهلها، فإنه ينفى ويلتصق بالإسلام ما ليس منه.

مع أن ربنا جل في علاه يقول في كتابه الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، فليربح هؤلاء على أنفسهم، فوالله وبالله وتالله لا تنطلي هذه البدع وهذه الخرافات على أهل السنة ما وجد سلفي في الأرض، ما وجد سني في الأرض بإذن الله عز وجل، والله المستعان.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

احذر -يا مسلم- أن تفرح بهذه الخزعبلات وهذه الخرافات وهذه البدع، ألا سألت هؤلاء يومًا من الدهر: هل فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل فعل هذا أبو بكر الصديق؟ هل أفتى بهذا أحد من علماء الأمة الذين يرجع إليهم، من الذين قال الله جل وعلا فيهم: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}

عباد الله، إنها دنيا وبعدها آخرة، ستلقى ربك سبحانه وتعالى، إن لم تغر على دين الله عز وجل فلا خير فيك، إن الغيرة على دين الله جل وعلا من أفضل الأعمال والقربات عند الله، أن يغار المسلم على دين الله وهو يُنتهك بإدخال البدع والخرافات فيه، ثم لا يغار المسلم على دين الله جل وعلا.

أما تتغير غيرتك على دينك؟ فوالله دينك عند الله عز وجل خير من ولدك وزوجك وأقاربك والدنيا والناس أجمعين، ضحى الصحابة رضي الله عنهم بكل ما يملكون في هذه الدنيا من أجل إقامة دين الله عز وجل، ومن أجل نشر دين الله عز وجل، ثم يكون زمن وإذا بنا نتهاون عن هذا الدين الذي أوصله الصحابة رضي الله تعالى عنهم بسيوفهم ودمائهم، وبخروجهم من بلدانهم، وإنفاق أموالهم، والتضحية بأولادهم وأقاربهم وزوجاتهم.

ثم نحن نتهاون عن دين الله عز وجل ونترك المجال، نأسف والله على من سُلّط على الإعلام المقروء والمرئي وهكذا المسموع أن يجعل لهؤلاء هذه الإحتفالات حتى تنتشر بين عوام أهل الإسلام مناظر عجيبة وغريبة، يجعل نفسه بهذه الألوان الخضراء يظن أنه قد حرر القدس أو حرر الإسلام من الكافرين بهذه الخزعبلات وهذه الخرافات.

فلنتق الله عز وجل، ما بقي معنا -يا عباد الله- من ديننا إلا أن ننكر هذه المنكرات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)). ألم يتمعر قلبه لما يجري على الإسلام وأهله من هذه الفرق الزائغة، الفرق الزنديقة المنحرفة عن دين الله عز وجل؟ متى كان الصوفية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ متى كانت الرافضة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم يكن في زمنه وزمن أصحابه والتابعين وأتباع التابعين والأئمة الأربعة إلا الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

أيأخذ الإنسان دينه من هؤلاء الزنادقة؟ احذروا -يا عباد الله-. بالأمس، يهجم على أعراضك، على عرضك ومالك، وعلى مساجدك ودينك، واليوم تعظم من شأنه فتحتفل معه. ألم يتحرك قلبه؟ ألم يحزن قلبه؟ ألم تدمع عينه على ما صار للإسلام وأهله؟ إنها الغيرة -يا عباد الله- التي ماتت في قلوب كثير من الناس إلا من رحم الله، ألهمتهم الدنيا والمآكل والمشارب، لا يلقي لدين الله عز وجل بالًا.

عباد الله، فلنحذر، اليوم حياة، وفي الغد آخرة، ستقف بين يدي الله عز وجل، ستسأل عن هذه المواعظ، وستسأل عن هذه التذكيرات، ستسأل: هل بلغت؟ هل سمعت أن هذه بدع، وأن هذه خرافات؟ ماذا كان موقفك من هذا الكلام؟ والآيات تتلى عليه، والأحاديث تتلى عليه، والواعظ يذكرك، ألم يكن لك قلب؟ ألم يكن لك سمع الذي جعله الله عز وجل بين جنبيك وفي رأسك؟ ألم تنتفع به؟

إن هذه الآلات من سمع وبصر وقلب وأيدٍ وأرجل جعلها الله عز وجل نعمة لهذا العبد، فاستعملها في طاعة الله عز وجل. الله الله -يا عباد الله- في دين الله عز وجل، وأن يغار على دين الله عز وجل، ولا يُنجي بعد الله عز وجل من هذه البدع والخرافات إلا أن يتفقه في دين الله.

صدق نبينا عليه الصلاة والسلام إذ يقول في سنته عليه الصلاة والسلام: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)).

الله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

اللهم إنا نسألك الهدى والعفاف والتقى والغنى.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *