الأثنين 24 ذو القعدة 1447هـ 11-5-2026م 3:51 م

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.)) فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن القوم إلا هم؟))

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبر عن طريق الوحي من رب العالمين سبحانه وتعالى، وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يدل على دلالة مبينة وآية من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه سيكون تابعًا ويكون متبوعًا، فأخبر عن التابع وذكر أنهم أهل الإسلام، وذكر المتبوع وذكر أنهم اليهود والنصارى.

فقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فإننا نرى في هذا الزمن المتأخر أن كثيرًا من أهل الإيمان والإسلام، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، مشغوفون بمحبة الكافرين. من أين عرفنا ذلك؟ من متابعة الكافرين في مآكلهم، وفي مشاربهم، وفي لباسهم، وفي مركوباتهم، وفي كلامهم، وفي حركاتهم، وفي سكناتهم، إلى غير ذلك مما يفتخر به كثير من أهل الإسلام.

وللأسف، مع أن المسلم -يا عباد الله- يقرأ في كل ركعة من صلاته فرضًا أو نفلًا، سفرًا أو حضرًا قولَ الله جل وعلا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} تجد أن هذا المسلم يستعين بربه سبحانه وتعالى، ويستعيذ بربه من اتباع طريق المغضوب عليهم، ألا وهم اليهود، وهكذا طريق الضالين، ألا وهم النصارى، فإن تفسير هذه الآية في اليهود والنصارى بإجماع المفسرين.

نأسف -والله- أن نرى كثيرًا من أبناء المسلمين قد شُغفوا بمحبة الكافرين، ولهذا تراهم يهرولون خلف الكافرين في كل صغيرة وكبيرة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنها ستكون مبالغة في اتباع المسلمين للكافرين في عاداتهم وفي تقاليدهم، قال: ((حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)) فيسأل الصحابة رضي الله تعالى عنهم: هل هم اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟)) أي: فمن القوم إلا هم؟ يعني اليهود والنصارى.

فإن مما يُحزن العبدَ المسلم المؤمن ما يراه من متابعة المسلمين، رجالهم ونسائهم، صغارهم وكبارهم، للكافرين في كل صغيرة وكبيرة، وهذا -يا عباد الله- أمر محرم بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تشبه بقوم فهو منهم)).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: “ظاهر الحديث أن هذا يقتضي الكفر، وأقل أحوال النهي أنه يقتضي التحريم.” ألّف شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله كتابًا عظيمًا فيما يتعلق بموضوع النهي عن المشابهة لغير أهل الإسلام، أي للكافرين، في معاصيهم وفي مخالفاتهم وفي بدعهم إلى غير ذلك، ألف كتابًا حافلًا عظيمًا أسماه: (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) وبناه على هذا الحديث وهو حديث: ((من تشبه بقوم فهو منهم)).

نأسف -والله- أن نرى كثيرًا -بل لك أن تقول جمهور أهل الإسلام- يتابعون اليهود والنصارى، ويا عجبا حينما يقرأ الإنسان هذه الآيات، يدعو الله عز وجل في كل ركعة أن لا يتبع طريقة المغضوب عليهم ولا الضالين، ثم هو بفعله يخالف قوله، فيتابع الكافرين في كل صغيرة وفي كل كبيرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: “فإن المتابعة في الظاهر لأهل الكفر تجرّ إلى المتابعة في الباطن”، بمعنى أنها تستجلب المودة والرحمة لأهل الكفر، أعداء الله وأعداء رسوله عليه الصلاة والسلام. قال الله جل وعلا: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}.

لا تجد هؤلاء، لا تجد قومًا -قد دخل الإيمان إلى قلوبهم- يسارعون في متابعة الكافرين، وذلك بمودتهم وبمحبتهم، أعداء الله وأعداء رسوله، هؤلاء الكافرون، الله عز وجل جعلهم أعداء ولم يجعلهم من أهل الإيمان ولا من أهل الإسلام.

ونحن نشهد في هذه الأيام، وقبل هذه الأيام، وما يُستقبل من هذه الأيام، نرى كثيرًا من أهل الإيمان ومن أهل الإسلام قد تهيؤوا للاحتفالات بأعياد ليست من الإسلام في شيء، ليست من الإسلام في شيء. أسف -والله- أن تجد الكافرين لا يبالون بأهل الإيمان ولا بالإسلام، هل رأيت كافرًا يحتفل بعيد الأضحى أو بعيد الفطر مع أنها من الأعياد الربانية من عند رب العالمين سبحانه وتعالى؟ أبدًا، لا يفتخر بذلك ولا يرفع بذلك رأسًا.

ما رأينا كافرًا صغيرًا ولا كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، يرفع شعارَ أعياد أهل الإسلام، ثم بالمقابل ترى المسلمين يسارعون إلى أعياد الكفار، يستبشرون ويفرحون ويتهيؤون لهذه الأعياد بصنع الحلوى والمشروبات، وربما تهيؤوا بالألبسة، وهكذا تبادل التهاني بهذه الأعياد الكفرية.

تدري -يا عبد الله- ما معنى هذا العيد الكفري الذي يحتفل به النصارى، وهو مولد المسيح عليه السلام؟ والمسيح عيسى بن مريم براء من ذلك، فإنه لم يحتفل بذلك ولم يشرع ذلك احتفالًا، وإنما ابتدعه النصارى ابتداعا في دين عيسى عليه السلام، ولا يُدرى متى وُلد عيسى عليه السلام.

تدري ما يصنع هؤلاء الكفار في هذا العيد، عيد الكريسمس وما يسمى بعيد رأس السنة؟ إنهم يسجدون للصليب، ويدّعون بأن عيسى عليه السلام ابن الله، أو أنه إله، أو أنه ثالث ثلاثة، وهذه مقالات كفرية كفّر الله جل وعلا أصحابها.

قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}.

هذه ردود على هؤلاء الذين يدّعون بأن عيسى ابن لله عز وجل أو أنه الله، هذه هي أعياد الكافرين، يحتفلون بالكفر بالله عز وجل، فإنه لا يجوز للمسلم أن يهنئ إنسانًا على معصية صغيرة أو كبيرة، فضلًا عن بدعة، فضلًا عن الكفر بالله عز وجل.

قال شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (أحكام أهل الذمة): “الإجماع والاتفاق على حرمة تهنئة الكفار بأعيادهم الكفرية، إن سلم العبد في هذه التهاني من الكفر بالله جل وعلا فلا يسلم من الحرمة بإجماع العلماء.”

احذر -يا عبد الله- أن تسمع لعلماء السوء الذين يهونون من أمر دين الله عز وجل، فإنك قد تجد إذا بحثت في الإعلام المرئي أو المقروء أو المسموع من يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم الكفرية، فإن هذا زائغ.

ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أناس من هذه الأمة دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها؟ بالأسف -والله- أن يُمكَّن أهل الزيغ والسوء من العلماء من هذه المنابر والمرئيات والمسموعات والمقروءات من إعلام الدول، فيفتون بجواز تهنئة الكفار بأعيادهم.

الله عز وجل في كتابه الكريم يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.

لا تجد أحدًا، لا شافعية ولا مالكية ولا حنبلية ولا حنفية، أحد يفتي بجواز تهنئة الكفار بأعيادهم.

ثم يأتي في آخر الزمان من أهل الزيغ والبدعة والضلالة والانحراف من يفتي المسلمين المُهَلْهَلين الضعفاء في إيمانهم وعقائدهم، يفتيهم بجواز تهنئة الكفار بأعيادهم، تهنئ الكافر بالسجود لغير رب العالمين سبحانه وتعالى، بعبادة غير رب العالمين سبحانه وتعالى، فإن النصارى في هذا اليوم يحتفلون ثم يسجدون للصليب، أي يسجدون لغير رب العالمين سبحانه وتعالى، وكأن المسلم يهنئ هذا النصراني بكفره بالله عز وجل.

فاحذر -يا مسلم- من هذه التهاني، فإنه وإن صليت وصمت وزكيت وقمت لله قيامًا طويلًا من آخر ليلك، وأنت تتعامل بهذه المعاملات من تهاني الكفار، فإنك لربما تُسلب الإيمان وتُسلب الإسلام. قال الله جل وعلا في شأن أناس من أهل الإيمان والإسلام يأتون يوم القيامة ومعهم أعمال، لكن الله عز وجل لا يقيم لها وزنًا ولا قيمة عنده سبحانه وتعالى، قال الله جل وعلا: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}

احذر -يا عبد الله- من الردة، احذر من نواقض الإسلام، فإنها تسري في أهل الإسلام كسريان النار في الهشيم، ولا يدرون أن هذه مما تنقض عليهم الإسلام والإيمان. تهنئة كافر بالكفر بالله جل وعلا، لو هنأت مسلمًا بشربه للخمر أو بالزنا أو بصغيرة أو بكبيرة فإن هذا في دين الله عز وجل يعتبر محرمًا، فكيف لو هنأ المسلم الكافر بكفره؟

هذا هو معنى التهاني -يا عباد الله-، فإننا نرى من المسلمين الجهال الغافلين عن دينهم وعن معتقدهم يهنئ بعضهم بعضًا في الرسائل النصية أو عبر برامج التواصل بمثل هذه الأعياد الكفرية، هذا أمر محرم. احذر -يا مسلم- أن تنقض صلاتك وصيامك وزكاتك بمثل هذه التساهلات.

اسأل أهل العلم! فإن الحجج من الخطباء والوعاظ قد أقيمت على كثير من أهل الإيمان وأهل الإسلام، ثم كثير من الناس لا يبالي إلا أن يأخذ فتاوى من الزائغين من المنحرفين. احذر يا مسلم، فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

إياك أن تلعب بالنار، لا تلعب بدينك، فإنه رأس مالك تلقى الله عز وجل به، أن تضحي بدينك. وللأسف -يا عباد الله- نرى كثيرًا من المسلمين يهرولون وراء الكافرين، مع أنه ينظر بعينيه آناء الليل وأطراف النهار، ويرى الكافرين يسحقون المسلمين سحقًا في كل بلد، ومع هذا المسلم لا يزال مغترًا بهذه الحضارة المزيّفة، بهذا الرقي المذموم.

حقيق! أن بعض الناس لا عقل له، ما ندري أين ذهبت عقول كثير من أهل الإسلام، يشاهد الكافرين يطحنون المسلمين طحنًا، ثم هو معجب بالكافرين، هذا معجب بفنان، وهذا معجب بلاعب كرة، وهذا معجب، وهذا معجب، إلى غير ذلك.

اعجب وافرح بالإسلام، فإننا قوم كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: “أعزنا الله عز وجل بالإسلام” إذا ابتغينا العزة بغير الإسلام أهاننا الله سبحانه وتعالى وأذلنا. وما نرى من الإذلال لأهل الإسلام والضعف والخور إنما هو بسبب ترك دينهم، والانصراف عن دينهم، وصلوا إلى مرحلة يُرثى لها.

ما سبب ذلك؟ تركنا ما به العزة وما به الرقي وما به الرفعة، ولجأنا إلى ما به الذلة والإقصاء والمهانة. تريد أن تقرب من أقصاه الله عز وجل؟ تريد أن تُكرم من أهانه الله سبحانه وتعالى؟ تريد أن تأتمن من خوّنه الله عز وجل؟ فإن الكافرين خونة مبعدون مهانون عند رب العالمين سبحانه وتعالى، {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فـ -يا عباد الله-، ينبغي للمسلم أن يعتز بدينه، ويعتز بعاداته وتقاليده، لأن أهل الإسلام لهم عادات ولهم تقاليد، إذا لم تخالف الكتاب والسنة فليفخروا بها ويفرحوا بها، وأعظم من ذلك أن يفتخر المسلم بدينه، بعقيدته، بمنهجه، بطريقته، بسلوكه، بأخلاقه الإسلامية.

هل تجد أخلاقًا عند الكافرين؟ هل تجد آدابًا عند الكافرين؟ أبدًا، لا مع الآباء ولا الأمهات، ولا مع الجار، ولا القريب، ولا مع الصديق، ولا الحميم، إنما الكفار حول فروجهم وحول بطونهم، هؤلاء ما يعيشون إلا كما تعيش البهائم. أتريد أن تتشبه بهؤلاء القوم؟ فإن الله عز وجل قد ذمهم ذمًا عظيمًا، هؤلاء أعداء الله، هؤلاء أعداء الله وأعداء رسوله، فكيف تقرب منهم؟ وكيف تفرح بالقرب منهم؟ وكيف تقلدهم في كل صغيرة وفي كل كبيرة؟

إذا نظرت في كتاب الله -يا عبد الله-، ترى أن الله عز وجل ذكر ثلاثة من الأصول في كتابه من أوله إلى آخره، تكلم ربنا جل وعلا على التوحيد وعظم ذلك، وتكلم كذلك على النهي عن الشرك به سبحانه وتعالى، وتكلم عن الأمر الثالث، ألا وهو الولاء والبراء، الولاء لأهل الإيمان ولأهل الإسلام، والبراءة من الكفر وأهله ومن الشرك وأهله.

هكذا ينبغي للمسلم أن يعتز بدينه وأن يفتخر بدينه. نأسف -والله- ما نراه من الإعلام، ما نراه من إعلاميينا الذين ربما ما درسوا ولا عرفوا ولا أدركوا هذه الحقائق، ينشرون في هذه الأيام أعياد الكافرين، وربما عطّلوا الأعمال، وربما حصلت كذلك صنعة ما يتعلق بالطعام والشراب ولبس الجديد، وهكذا ما يحصل من المراسلات.

سبحان الله، إما أن يكون هؤلاء جهالًا بدين الله عز وجل، وإما أن يكون القوم على علم ولكنه لا يبالي بدينه، والثاني على خطر عظيم.

ينبغي للمسلم أن يتفقه في دينه، وأن يتعلم دينه، لا تُعذر -يا عبد الله- بعد أن تسمع المواعظ والتذكيرات من أهل الخير والصلاح، ثم بعد ذلك تولي وكأن الأمر لا يعنيك، والله إن لك وقفة بين يدي الله عز وجل عن هذه الخطبة وعن هذه المحاضرة وعن غيرها من الوعظ والمحاضرات التي يلقيها أهل السنة والجماعة.

بحثوا الأصوات -يا عباد الله-، انتهوا عن هذه المنكرات وعن هذه المحرمات، ندعوكم إلى الخير، وهكذا نحذركم من الشر، اقتدوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه ما من خير إلا وقد دعا إليه المعصوم عليه الصلاة والسلام، وما من شر إلا وقد حذرنا منه.

لا تأت يوم القيامة تقول: أنا لم أسمع هذا الشيء؟ والله عز وجل وكل بك حفظة، يكتبون ما أنت عليه من الأقوال والأفعال، فكن على حذر. إن لم تعلم فاسأل، فإن الله عز وجل يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

بعض الناس لربما يسأل عن البرجر، من أي الأنواع؟ هل فيه لحم أو لم يكن فيه لحم؟ أدنى الأشياء يدقق في السؤال عنها، فإذا جاء دينه ومنهجه وعقيدته ما بالى، سبحان الله.

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم أن الرجل ((يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، أو يمسي كافرًا ويصبح مؤمنًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا)) إنها الدنيا -يا عباد الله- التي أضغت على قلوب كثير من أهل الإيمان وأهل الإسلام، وكأن هذا الدين لا يعنيه، إنما يعني المطاوعة ويعني أصحاب اللحى.

والله إنك ستندم وستبكي وتتأسف يوم القيامة. أنت الآن في زمن الإمكان، وفي زمن القبول، وفي زمن الاتباع، فإذا مت انقطع عملك، وتلقى ربك سبحانه وتعالى، فعش كريمًا مع كتاب ربك ومع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، تُكرم من رب العالمين سبحانه وتعالى.

ما نعانيه -يا عباد الله- من هذا الغلاء، ومن هذا الوباء، ومن هذه الحروب، ومن هذه الفتن، ما نزل -والله- عقوبة من رب العالمين سبحانه وتعالى إلا بذنب، ولا تُرفع إلا بتوبة ورجوع صريح إلى رب العالمين.

لا تظن -يا عبد الله- سيعملون لك حلًا في مأكلك ومشربك وأملك وأمانك؟ لا والله، لا تطمع، إنما يريدون إحراقك، وإنما يريدون إبعادك عن دينك حتى تكون أخس من الكافرين من اليهود والنصارى.

فاعتز -يا عبد الله- بدينك، وراجع أمرك قبل أن يأتي عليك الموت فيحول بينك وبين الرجوع إلى رب العالمين سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل قد أخبر عن أناس في كتابه، هذا يعض على يديه، وهذا يتأسف، وهذا يتحسر، وهذا، وهذا، إلى غير ذلك من الآلام التي تحصل من المفرطين في هذه الدنيا.

فاحذر -يا عبد الله-، كفاك سماعًا، فإن حديثًا واحدًا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتفعون به. هذا الحسن بن علي انتفع بحديث واحد رواه أبو بكرة نفيع بن الحارث، لما أصلح بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، أصلح بين طائفتين عظيمتين من أهل الإيمان ومن أهل الإسلام بحديث سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنفعه الله عز وجل بحديث.

كم هي الأحاديث التي تتلى؟ وكم هي الآيات التي تُقرأ آناء الليل وأطراف النهار؟ لكن كثيرًا من الناس كأن هذا الحديث وكأن هذا القرآن لا يعنيه.

فكونوا على حذر -يا عباد الله-، افتخروا واعتزوا بدينكم، فإن الكفار لا يعتزون بشيء من دينكم، وانظروا إلى أعيادكم، هل ترون كافرًا يفرح بأعيادكم؟ يفرح لفرحكم؟ وهكذا يُسر لسروركم؟ أبدًا لا تجد كافرًا، ولكن أهل الإسلام بالمقابل يسارعون إلى أعياد الكفار بالتهاني والتبشيرات وتعطيل الأعمال إلى غير ذلك.

فكونوا على حذر -يا عباد الله-، وتمسكوا بكتاب ربكم وبسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فإن المعصوم قال قبل أن يفارق هذه الدنيا: ((تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي)).

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *