إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يقولُ الله عزَّ وجلَّ في كتابِه الكريم: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}، في هذه الآية يُخبر ربُّنا جلَّ في علاه أنَّه يُقلِّب الليلَ والنهار، يأتي بالليل ثم يُعقِب الليلَ النهار، وهكذا يُولِي النهارَ فيُعقِبه الليل، فيُقلِّب الليلَ والنهار، وهكذا لله عزَّ وجلَّ في كونِه شؤون.
فإنَّ الآياتِ الكونيةَ في هذا الكون تتبدَّل وتتغيَّر وتتنوع: ليلٌ ونهار، وشمسٌ وقمر، وشتاءٌ وصيف، وخريفٌ وربيع، ولله عزَّ وجلَّ الحكمةُ البالغة، ولله في ذلك من المصالح التي لا تُدرَك كمالًا، لا يُدرِكها إلا الله جلَّ فعلاه.
فالله سبحانه وتعالى يُخبر في هذه الآية أنَّه يُقلِّب الليلَ والنهار: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً، -أي يخلف بعضُها بعضًا، أي يخلف الليلُ النهارَ ويخلف النهارُ الليل-، قال: لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}.
فإنَّ المتأمِّل في آياتِ الله عزَّ وجلَّ الكونية، والناظر في آياتِ الله الكونية، فيها من العجائب التي لا يُعلَم حقيقةُ هذه الحكم، وهذه أيضًا ما يخفى علينا من تقليب الليل والنهار، ومن تحويل آياته سبحانه وتعالى الكونية، فإنَّ المتأمِّل قد يصل إلى أشياء لربما كانت حافزًا للإنسان على الإقبال على مرضاة الله جلَّ وعلا وعلى طاعة الله عزَّ وجل.
كُنَّا بالأمس القريب نعاني من شدَّة الحرارة في موسمٍ من مواسم الله جلَّ وعلا، وهكذا في وقتٍ من آياتِ الله عزَّ وجلَّ الكونية، فيذهب الحرُّ ويأتي الشتاء، ويذهب الشتاء، وهكذا لربما أتى الربيع وأتى الخريف، فلله عزَّ وجلَّ الحكمةُ البالغة في تقليب هذه الأجواء، وفي تحويل هذه كذلك الأجواء.
والمسلم حقيقةً يجب عليه أنَّه إذا جاءت هذه المواسم، وأعني على وجه الخصوص موسمَ البرد، موسمَ الشتاء، فإنَّ للشتاء في أحكامِ الله عزَّ وجلَّ، فإنَّ للشتاء في كتابِ الله وفي سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم أحكامًا، ولهذا جاء عن سلفِ هذه الأمة الذين كانوا يفرحون بمثل هذه المواسم.
فإذا جاء موسمُ الشتاء فرحوا به فرحًا عظيمًا، لأنَّ لياليَ الشتاء تطول، ونهارَ الشتاء يقصر، فكانوا يفرحون بالليل لأجل قيامِ الليل، وبالنهار لأجل صيامِ النهار، يفرحون بمواسم الخير، بمواسم الطاعة، بمواسم القُربة.
لأنَّ القوم حقيقةً -يا عبادَ الله- أدركوا أنَّ التجارةَ الحقيقية هي مع ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، تجارةٌ مثمرة، تجارةٌ رابحة، تجارةٌ مضاعفة عند ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، فهؤلاء هم العقلاء، وهؤلاء هم الفطناء الذين يستثمرون هذه الفرص إذا جاءت ولا يُضيِّعونها.
الليلُ فيه طول، فإذا قضاها المسلم في نومٍ من حين ما يصل العشاء إلى أن يطلع عليه الفجر فقد فاته خيرٌ عظيم، وهكذا إذا أقبل النهار ففوَّته في الأكل والشرب ولم يستثمره في الصيام فقد فوَّت فرصةً عظيمة.
فيا عبادَ الله، المسلم الذي كلَّفه الله جلَّ وعلا، والعبد الذي كلَّفه الله جلَّ وعلا يختلف عن باقي المخلوقات، فليس خُلق لأجل أن ينام ولأجل أن يأكل ويشرب، هذا العمر -يا عبادَ الله- فرصةٌ من الفرص التي لربما مُتاحة للإنسان في أيام صحته، وفي أيام فراغه، وفي أيام قوته.
فإذا فوَّت هذا الزمن في أكلٍ وشربٍ وفي نوم، فإنَّه لا يستطيع أن يستدرك في زمن الشيخوخة والعجز والمرض، لهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس)): الصحةُ والفراغ.
فإذا منحك الله عزَّ وجلَّ صحةً وفراغًا وقوةً وشبابًا، وخلاك الله جلَّ وعلا من الأمراض، فإنَّها -والله- تُعتبر نعمةً عليك، إن لم تقم بشكر هذه النعمة فاتت.
فزمنُ الشباب، زمنُ القوة، زمنُ الصحة، زمنُ العافية، لا تقضِه -يا أخي- في النوم ولا في المآكل والمشارب، وهذه ليست محرَّمة، أن ينام الإنسان ليستعين بنومه على مرضاة الله جلَّ وعلا، ويستعين بأكله وشربه على مرضاة الله جلَّ وعلا.
عبادَ الله، اعلموا أنَّ هذه الدنيا ممرٌّ وليست بمقر، المقرُّ هي تلك الدار التي أعدَّها الله جلَّ وعلا، ومن وصاياه أي النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة لأحد أفراد أصحابه، وهي -والله- تُعتبر وصيةً لكلِّ فردٍ من أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء، قال عليه الصلاة والسلام: كن – في هذه الدار لأنها ليست دار قرار ولا بدار مستقر، قال : ((كن في الدنيا كأنك غريب)).
أو هاهنا، -أي بل- أضرب عن الأول، قال: بل كعابر سبيل، ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل))، بل عابر سبيل، أي في هذه الدنيا، وعادةُ من ينزل وهو غريبٌ في بلدٍ فإنَّه لا يسكن ذاك البلد، ولا كذلك أيضًا يستمتع بالبقاء في ذاك البلد، لماذا؟ لأنَّ له وطنًا سيرجع إليه، لا يهنأ بأكلٍ ولا بشربٍ ولا بنوم حتى يرجع إلى أهله وولده.
وهكذا قال: ((كن كعابر سبيل))، وهذه أعظم من الأولى، أي تجعل هذه الدنيا دارَ ممرٍّ ودارَ عبور، فإنَّ لك دارًا تستقر فيها، إمَّا جنة وإمَّا نار، وأنت اختر لنفسك.
هكذا كانت وصايا النبي صلى الله عليه وسلم عظيمةً وغاليةً لمن تأمَّل فيها، ولمن تدبَّر فيها، حقيقةً ما نراه في عامة الناس، بل ربما حتى في الخاصة إلا من رحم الله جلَّ وعلا، أنَّه يذهب عليه العمر، -أعني عمر القوة والصحة والفراغ-، في ضياع لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
فمتى يندم هذا الإنسان؟ ومتى يأسف هذا الإنسان؟ إذا مضى وقت العمل ووقت الجدية، مرضى، يتمنى أن ترجع تلك الأيام: ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب، ما ينفع -يا أخي- إذا مضى زمنك لا يرجع أبدًا.
فحقيقةً أنَّ المسلم يجب عليه أن يخرج من هذه الغفلة التي هو فيها، -يا عبادَ الله-، يُنادى للصلوات الخمس، ولا تجد إلا عددَ الأصابع ممن يُلبِّي: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، أين أهل الإسلام؟ أين المسلمون؟
ولهذا ما يعانيه أهل الإسلام من النكبات في دينهم أو في دنياهم إنما هو بسبب أعمالهم، سلَّط الله جلَّ وعلا عليهم الأعداء، وتداعوا عليهم من كل مكان، وذلك بسبب ذنوبهم وإعراضهم عن طاعة ربهم ومرضاته سبحانه وتعالى.
أعرضوا فأعرض الله عنهم، تولَّوا فتولَّى الله عزَّ وجل عنهم، {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}.
حقيقةً أنَّ الناسَ يعيشون في غفلةٍ إلا من رحمَ الله جلَّ وعلا، -يا أخي- أنت الصحيح وأنت قوي وأنت معافى، لماذا ما تأتي حينما يقول المؤذِّن: حيَّ على الصلاة؟ -والله- لو تقطعها الكيلومترات بسيارتك وتحضر وتصفُّ مع المسلمين في صفوف الصلاة، -والله- خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، والإنسان إذا اعتاد الطاعة سهلت عليه ورغب فيها وأحبها ولا يريد أن يفارقها.
جرب يا أخي، جرب مرضاة الله عزَّ وجل، وجرب طاعة الله عزَّ وجل، تجد فيها راحتك وطمأنينتك وسكينتك، فكثيرٌ من الناس محروم -يا عباد الله-، ألا فاتقوا الله عزَّ وجل في أنفسكم من هذه الغفلة التي نعيشها، ثم نحن نتألم، نحن في هذا الوضع، نحن في كذا وكذا، هي من أعمالنا، ودين الله جلَّ وعلا اعلم -يا عبد الله- أنَّه محفوظ، لا تظنُّ نحن ندافع عن دين الله، نغار على دين الله، لا، غِر على نفسك وخف على نفسك، أمَّا دين الله جلَّ وعلا فهو محفوظ، لأنَّ الله جلَّ وعلا يقول في كتابه الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
الخوف علبنا من أنفسنا أمَّا دينُ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، مهما تكالب عليه الكلاب والقردة والخنازير، فإنَّ الله قد تكفَّل بحفظه، الخوف إنما يكون علينا نحن إذا قصَّرنا وفرَّطنا في مرضاة الله جلَّ وعلا وطاعته، جاءت علينا هذه المصائب، المصائب -يا عباد الله- هذه من أنفسنا، لا تظن أنَّها لشيءٍ آخر، لهذا يقول الله جلَّ وعلا: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}.
وهكذا يقول الله جلَّ وعلا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}، كلُّ الناس يتمنَّى الحياة الطيبة، أين هذه الحياة الطيبة؟ إنَّها في الأعمال الصالحة، أدرك سلفنا الصالح حقيقة هذه الحياة، فلم يعملوا لها، وإنما عملوا للدار الآخرة، واستعانوا واستفادوا من هذه الدنيا لأجل الآخرة، وجعلوها في أيديهم -أي هذه الدنيا-، ولم يجعلوها في قلوبهم.
حقيقةً ما نراه -يا عباد الله- غفلةً سحيقةً إلا عند من رحم الله جلَّ وعلا، فعلينا أن نراجع أنفسنا مع ربنا سبحانه وتعالى إذا أردنا خيرًا وراحةً وطمأنينة، هب أنَّك -يا عبد الله- تعيش في هذه الدنيا تعيسًا فقيرًا متعبًا، لكنك في طاعة الله جلَّ وعلا، اعلم أنَّها سويعات تقضيها في هذه الحياة الدنيا، ثم تنقلب إلى دارٍ أبديةٍ سرمديةٍ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
يا أخي هذه ما هي أساطير وما هي حكايات وأكاذيب، هذا كلام ربِّ العالمين سبحانه وتعالى في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من أيقن بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، -والله وبالله وتالله- لا يتأخر دقيقةً عن الأعمال الصالحة، ولكنها الغفلة، كثيرٌ من الناس يكذِّب بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا أقول بلسانه ولكن أقول بحاله، إعراضه إن دلَّ إنما يدلُّ على التشكيك في أمر الله جلَّ وعلا، وعلى التكذيب في أمر الله جلَّ وعلا، وبما وعد الله جلَّ وعلا.
ولو كان الإنسان على يقينٍ من وعد الله، وعلى يقينٍ من وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما تأخر ساعةً عن طاعة الله عزَّ وجل وعن مرضاته، رجلٌ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع المؤذِّن فيأتي في الرمضاء ويأتي في الظلماء، وليس له حمارٌ أو مركوب يركبه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشهد الصلاة مع النبي عليه الصلاة والسلام.
والصحابة يقول له الصحابة رضي الله تعالى عنهم: “ألا تتخذ مركوبًا تركب فيه، فتقي الرمضاء وهكذا تتجنب الظلماء؟” فماذا يقول هذا الصحابي؟ “إنِّي والله لأحتسب مشيتي إلى المسجد ورجعتي”، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: ((إنَّ الله قد حسب له ذلك))، حُسِبت له هذه الخُطى التي يخطوها إلى بيوت الله جلَّ وعلا، ما يخرج الإنسان من بيته يخطو خطوةً إلا رفعه الله عزَّ وجل بها درجةً، وحطَّ عنه سيئةً، وإذا جاء إلى المسجد وانتظر الصلاة فهو في صلاة، أجورٌ عظيمة -يا عباد الله-، المحروم من حرمه الله جلَّ وعلا، والله المستعان.
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمَّا بعد:
إذا تفكَّرنا في هذه الآية، -والله- إنَّها تكفينا -يا عباد الله-، ما هي هذه الآية -يا عباد الله-؟ يقول الله جلَّ في علاه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، لأجل العمل، لأجل الآخرة، أكلك وشربك وهكذا راحتك وطمأنينتك في هذه الدنيا، تكفّل بها ربُّ العالمين، إذا أقبلتَ عليه، أنت ما ترزق نفسك، -والله- لو منعك الله عزَّ وجل الأرزاق، ولو كنت من أكبر التجار، -والله- لا تجد ريالًا واحدًا، لأنَّ هذه الأموال وهذه كذلك المنافع إنما هي من ربِّ العالمين، وبيده سبحانه وتعالى، إذا أراد الله عزَّ وجل منعها لمنعها، وإذا أراد الله جلَّ وعلا بسطها لبسطها على العباد، ولكن يُنزِّل بقدر ما يشاء سبحانه وتعالى.
فعليك -يا عبد الله- أن تكون على يقين، أقبل على طاعة الله وعلى مرضاة الله، وأبشر بكل خير، دفعٌ للأمراض، ودفعٌ للأوجاع، ودفعٌ للهموم، والغموم التي كثرت في هذا الزمان، -والله- لا غنيٌّ مرتاح ولا فقيرٌ مرتاح، تكاثرت الهموم والغموم على العباد، من الذي يُجّليها؟ من الذي يذهبها؟ إنَّها الطاعة والإقبال على ربِّ العالمين سبحانه وتعالى.
لنا أسوةٌ -يا عباد الله- في نبينا عليه الصلاة والسلام، من نظر إلى بيته، ومن نظر إلى حاله ومع أزواجه، وهكذا من نظر ثانيًا إلى أصحابه، رآهم أنَّهم كانوا يتقلَّلون من هذه الدنيا، وبالمقابل ماذا؟ يتكثَّرون من أعمال الآخرة، وهذا هو حال العقلاء.
أمَّا حال الأغبياء، الذي أفنى نفسه وأفنى عمره إمَّا في دنيا، وإمَّا مع ولد، وإمَّا مع زوجة، وإمَّا مع أصحابه، ماذا يفعل يوم القيامة؟ ماذا يقول يوم القيامة؟ {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}، ما ينفع هناك الندم والتحسُّر والأسف.
فعليك -يا عبد الله- أن تكون عاقلًا، وأن تكون ذكيًّا، وأن تكون لبيبًا، اغتنم ما بقي من العمر في مرضاة الله جلَّ وعلا وفي طاعته، وأكثر من ذلك، وأبشر بكل خير.
كم من أمراض -يا عباد الله- مستعصية، أقبل الإنسان فيها بقلبه وقالبه على ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، فأذهبها الله، لأنَّ الله كما قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}، فإنَّ الشافي حقيقةً هو الله، -فوالله- لو اجتمع أطباء أهل الدنيا على أن يشفوك ويعافوك من مرضٍ ما أراد الله عزَّ وجل معافاتك منه ولا شفاءك منه، ما شُفيت ولا تعافيت.
فعليك أن تلجأ إلى ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، حقيقةً نحن في زمن فراغ، الفراغ كثير، والصحة والعافية هذه -والله- منن، وهذه -والله- منح، إن ضيَّعنا فنحن الذي سنضيع، وإلا فإنَّ طاعة العبد لا تزيد في ملك الله شيئًا، الإنسان هو الفقير، -والله- هو الغني، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}.
الله غنيٌّ عن عباداتنا، ما عساك أن تركع وتسجد لله جلَّ وعلا، -فوالله- لا تزيد شيئًا في ملك الله عزَّ وجل، أنت المحتاج وأنت الفقير، {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ} ، فإذا أقبلتَ عليه أكرمك، وهكذا قوَّاك، وهكذا عافاك -يا عبد الله-.
فعلينا في مثل هذه المواسم، مواسم البرد والشتاء، طولٌ من الليل وقِصرٌ من النهار، لا تشعر بعطشٍ ولا بجوع، وهكذا من الليل لا تشعر بتعبٍ من طول الليل، كان أسلافنا يفرحون فرحًا عظيمًا إذا جاءت هذه المواسم، من أجل ماذا؟ من أجل أعمال الآخرة.
وأهل الدنيا إذا جاءت التجارات ومواسم التجارات فرحوا فرحًا عظيمًا، مع أنَّ هذا ذاهب وزائل، وهذا هو الباقي، كما قال الله جلَّ وعلا: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ}.
الله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلنا هداةً مهتدين غيرَ ضالين ولا مضلين.
اللهم إنَّا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

