إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}. أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
فإنه قد رحل رمضان لعام 1445 من الهجرة، ولا يعود مرةً أخرى إلينا، ف-يا عباد الله- هل تفكرنا فيما حمَّلناهم بلياليه وأيامه من الأعمال، فإن الليالي والأيام هي كالصحف، وهي كالكتب التي يكتب فيها الإنسان أعماله من أقوالٍ وأفعال، فما مضى منها لا يرجع مرةً أخرى.
وهكذا أيضًا إذا تدبر الإنسان وتفكر الإنسان أن ما مضى من رمضان ومن غيره من الشهور يُعتبر كالمرور من أيامه ولياليه، فإن الإنسان يتقدم في كل يومٍ إلى الآخرة، ويتباعد عن هذه الدنيا، فإن الغافل حقيقةً هو الذي لا يُحاسب نفسه، ولا يتفكر، ولا يتدبر فيما قدَّمه في لياليه وأيامه الماضية.
فهل جلس الإنسان مع نفسه وحاسب نفسه؟ فإن المؤمن حقيقةً هو من يُحاسب نفسه ماذا قدَّم لنفسه، ثم بعد ذلك ماذا قدَّم لأهل الإيمان والإسلام. بعض الناس لا يعيش في هذه الدنيا لا لنفسه ولا لغيره، لا لنفسه ولا لغيره، لا يعدُّ هذه السنين ولا هذه الشهور ولا هذه الأيام والأسابيع، ولا كذلك اللحظات والدقائق فيما يمضي من عمره، وكأنه في هذه الدنيا يريد أن يتخلص من عمره، يعيش كما تعيش البهائم والعياذ بالله.
فهل حاسبنا أنفسنا ودققنا في أعمالنا ما هي الأعمال التي قدَّمناها بين أيدينا إذا لقينا ربنا سبحانه وتعالى؟ كثيرٌ من الناس لا يُحاسب نفسه إذا آوى إلى فراشه، لا يُحاسب نفسه ماذا عمل في هذا اليوم، فإنك مُحاسب -يا عبد الله- على كل لحظةٍ، وعلى كل فترةٍ ودقيقةٍ وثانيةٍ من عمرك، فهل لا حاسبت نفسك؟
تأمل وتدبر كيف أن السنين تمضي سريعًا، ما أسرع رمضان مرورًا، وخاصةً في هذه السنة، كأنها -والله- ساعة، مضى مضيًا سريعًا لم نشعر به، سبحان الله. وهذا إنما هو نذارة شرٍّ -والله- أن الإنسان لا يشعر بمرور الليالي والأيام وهي تمر به سريعًا، ولا يدري هذا العبد، ولا يدري هذا المسكين إلا وهو على حافة القبر.
سبحان الله كيف أن السنين، كيف أن الأعوام، كيف أن الليالي والأيام تمر بنا سريعًا. اليقِظون هم الذين يحاسبون أنفسهم، والغافلون هم الذين لا يُبالون بأعمارهم ولا بأوقاتهم، مع أنها من رؤوس أموالهم التي سيُسألون عنها بين يدي الله عز وجل يوم القيامة.
ها هو رمضان قد مضى، وكأن له سنين عدة من حين ما مضى، وما هو إلا قبل يومين قد مضى علينا رمضان، سبحان الله، وكأن له سنين عددًا، قد مضى علينا هذا الشهر، ومر مرورًا سريعًا كأنه اللحظات القلائل.
فعلى العبد أن يكون يقظًا، وأن يحذر من الغفلة، فإن الغفلة قد دبَّت في كثيرٍ من الناس إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، غافل لا يحاسب نفسه، وهكذا أيضًا لا يقوم بما أوجب الله عز وجل عليه تجاه نفسه، فضلًا أن يقوم بما أوجب الله عز وجل عليه تجاه المسلمين، ليس له هَمٌّ في هذه الدنيا إلا نفسه، حتى هذه النفس مهملة لنفسه، يا سبحان الله، يعيش عيشة الأنعام والعياذ بالله.
فعلينا -يا عباد الله- أن نُولي هذا العمر، وأن نُولي كذلك هذه الحياة اهتمامًا بما أمر الله جل وعلا، وذلك من امتثال أمره واجتناب نهيه سبحانه وتعالى، فإذا مرت الأعمار وذهبت الأعمار فإنها لا ترجع مرةً أخرى، سنة بعد سنة، وجمعة بعد جمعة، ويوم بعد يوم، وساعة بعد ساعة، وهي تذهب من أعمارنا.
كثيرٌ من الناس أصبح مشغولًا بما لا يعنيه والله في هذه الحياة الدنيا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -والراجح في الحديث الإرسال- : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). كثيرٌ من الناس أصبح مشغولًا آناء الليل وأطراف النهار بما لا يعنيه، وبما لا يعود عليه بالفائدة لا في دينه ولا في دنياه، وما يعنيه اهتمامه به قليل، والله ما يعنيه حقيقةً اهتمامه به قليل، وما لا يعنيه اهتم به كثيرًا، كأنه من الأصول، وكأنه من الفروع، وكأنه من الواجبات.
ولهذا ذهبت البركات في أعمارنا وفي أوقاتنا، لا يجد الإنسان في عمره ولا في وقته بالليل ونهاره بركة، ما السبب في ذلك؟ ذهبت البركة بسبب أننا ما أعطينا هذه الليالي والأيام حقها، فإنها تعتبر رصيدًا للعبد في هذه الدنيا، أين يصرف العبد هذا الرصيد؟ أهو في خيرٍ أم في شرٍّ؟ كثيرٌ من الناس في غفلة إلا من رحم الله سبحانه وتعالى.
فنستعيذ بالله عز وجل -يا عباد الله- من الغفلة. رمضان إذا ولَّى ما ولَّت العبادة -يا عباد الله-، إذا ولَّى رمضان ما ولَّت العبادة، فإن العبادة بقيت ما بقي الإنسان على هذه الدنيا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، فإنك عبدٌ لله جل وعلا آناء الليل وأطراف النهار.
فإذا ولَّى رمضان فقد جاءت أيضًا مواسم أخرى، فما بالنا -يا عباد الله- إذا جاءت مواسم الخير نشطنا لمواسم الخير، وإذا ولَّت هذه المواسم يهدم الإنسان ما بناه في هذه المواسم؟ هذا -والله- من السفه الذي يأتي على الإنسان، فيضيع عمره فيما لا يعود عليه بالنفع.
فتحذر -يا عباد الله- من الغفلة، فإذا ولَّى رمضان -يا عباد الله- بقي صيام، وبقي قيام، وبقيت تلاوة، وبقيت صلاة، وبقيت صلة أرحام، وبقي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعظم من ذلك -والله- على الإطلاق هو التفقه في دين الله عز وجل، العلم والتعليم ونشر الخير في الأمة.
قال سفيان الثوري عليه رحمة الله: “لا أعلم بعد النبوة شيئًا أفضل من العلم.” فالعلم -يا عباد الله- والإقبال عليه والتفقه فيه هو ميراث الأنبياء، هو الموروث الذي تركه الأنبياء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم)).
هكذا الدخول في حلقات العلم، في التعلم، في التفقه، في نشر دين الله عز وجل، تقوم مقام الأنبياء، وتقوم مقام الرسل في تبليغ دين الله عز وجل، فإذا الإنسان بإذن الله عز وجل ما بقي على العلم والدعوة إلى الله جل وعلا، بقي بإذن الله عز وجل على يقظة، وانتفت عنه بإذن الله عز وجل الغفلة.
وكلما ابتعد الإنسان عن العلم والتعليم والدعوة إلى الله جل وعلا ضعف، وجاءت عليه الغفلة، وما أكثر أحوال الدنيا على الناس، وربما شغل الإنسان نفسه بما ليس -والله- شاغلًا.
ونحن لا نمنع -يا عباد الله-، ولا نحرِّم -يا عباد الله- على العباد أن يسترزقوا، وأن يمشوا في هذه الدنيا، وأن يلتمسوا المعاش والأرزاق، ولكن لا تطغى عليهم الدنيا حتى تميت قلوبهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه)) أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
الدنيا -يا عباد الله- لم يجعلها الله سبحانه وتعالى بين أيدينا لأجل ذاتها، وإنما لأجل أن نستعين بها على مرضاة الله جل وعلا وعلى طاعته، نجعلها في أيدينا ولا نجعلها في قلوبنا، لكن كثيرًا من الناس طغت عليه هذه الدنيا حتى ملأت قلبه، وحتى استولتْ على كل قلبه ونفسه وروحه، لا يُفكِّر إلا فيها إذا أصبح وإذا أمسى، وهو في دنياه، إنها والله غفلة صحيحة.
اجعل لك وقتًا مع كتاب الله، ومع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع التفقُّه في دين الله جل وعلا، ومع الدعوة إلى الله جل وعلا، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.
لا تُحرِم نفسك ما دمت على هذه الدنيا من أن تتزوَّد بمرضاة الله جل وعلا وبطاعة الله جل وعلا، ولّى رمضان وبقيت عبادة لله جل وعلا، رمضان يُتعبَّد لله جل وعلا فيه بعبادات، وهكذا غير رمضان أيضًا يُتعبَّد لله جل وعلا فيه بالعبادات.
تُهجَر المساجد بعد رمضان -يا عباد الله-، ويُهجَر القرآن بعد رمضان -يا عباد الله-، وهكذا يُهجَر إطعام الفقراء والمساكين بعد رمضان، وهكذا إلى غير ذلك من العبادات تُهجَر بعد أن يُولِّي رمضان، وكأن الله جل وعلا ما كلَّفنا بعبادته إلا في رمضان، وفي غير رمضان لسنا بمكلَّفين، هذا والله من الخطأ، هذا والله من الخطأ.
بل إن الإنسان يسعد أن يعبد الله عز وجل في رمضان وفي غيره في حياته وعمره حتى يأتيه الأجل، هذا هو حال المؤمنين، وإذا أردت سعادةً وأردت راحةً وطمأنينةً فعليك دائمًا وأبدًا أن تكون مع الله جل وعلا، تكون بإذن الله عز وجل مرتاحًا مطمئنًا سعيدًا، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، حياة طيبة.
إذا أردت الحياة الطيبة فهي في طاعة الله، ليست في الأموال، وليست في الجاه والمسؤوليات، وليست في المعارض والسيارات، إنما هي في طاعة الله عز وجل.
كان شيخنا الوادعي عليه رحمة الله يكون محمومًا ويكون مريضًا، قال: “فأخرج إلى درسي فأجد نشاطًا ويذهب عني كل ما أجد من المرض والتعب” هكذا حال أهل الإيمان، وحال أهل الإسلام، لا يرتاحون ولا يطمئنون ولا يسعدون إلا بمرضاة الله عز وجل وطاعته.
هذا نبينا صلى الله عليه وسلم يعيش عيشةً بسيطة في بيته عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان سعيدًا بربه تبارك وتعالى، يقوم من الليل ويقرأ كتاب الله عز وجل، ويبقى مع كتاب الله عز وجل، لربما أشرف عليه الفجر وهو على هذه الحالة، يجد متعةً ويجد سعادةً.
فوالله إن الإنسان الذي لا يجد متعةً ولا سعادةً في طاعة الله عز وجل فتِّش قلبك، قلبك قاسٍ، بل قلبك حَجَر، بل قلبك لعله قد مات وأنت لا تدري، فإذا لم تجد سعادةً وراحةً وإقبالًا على مرضاة الله عز وجل بعد أن تولِّي هذه المواسم فأنت -والله- في خسارة.
الإنسان لا يزداد مع الأعمال إلا طاعةً وقربةً ومحبةً، يخرج الإنسان من موسم وإذا به يتشوّف إلى موسم آخر من مواسم الطاعة والقربة، وهكذا كان حال أهل الإيمان، يفرحون إذا جاءت المواسم، ويحزنون والله إذا ولَّت عنهم هذه المواسم، لماذا؟ لأنهم يجدون راحةً فيها.
فإذا لم تجد راحتك في هذه المواسم فتِّش قلبك، فإن قلبك قد أصبح قاسيًا، قد أصبح حجرًا، قد أصبح ميتًا، إنما تُحيى القلوبُ والأرواح والنفوس بمرضاة الله عز وجل.
قال نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يأمر بلالًا رضي الله تعالى عنه: ((أرحنا بها يا بلال، أرحنا بها يا بلال)).
كثيرٌ من الناس -يا عباد الله- إذا ولَّى رمضان ما أحد تجده في المساجد، ما أحد تجده في الصف الأول، ما أحد تجده في الجماعة، ما السبب في ذلك؟ السبب في ذلك أنها عادة جرتْ، إذا جاء رمضان أقبل مع من أقبل على رمضان، وإذا ولَّى رمضان ولَّى مع من ولَّى رمضان، هذه عادة -يا عباد الله-، وهذه لا تنفع الأرواح والنفوس.
إنما الذي تنتفع به الأرواح والنفوس من العبادات ما كان عبادةً لله عز وجل، ما كان خالصًا لله، ما لازمه الصدق مع الله، هذا الذي يُثمر في قلبك الإيمان، وهكذا الطمأنينة والراحة.
فحريٌّ -يا عباد الله- ألا تستحوذ علينا الغفلة إذا ولَّت هذه المواسم.
يا أمة الإسلام، يا معاشر المسلمين، كان الأسلاف إذا ولَّت هذه المواسم يبكون عليها، يبكون على هذه المواسم، ويحزنون على هذه المواسم، لماذا؟ لأنهم لا يجدون راحتهم إلا فيها، لا يجدون السعادة إلا فيها، أولئك قد خالط الإيمان بشاشة قلوبهم، لا يسعدون ولا يرتاحون ولا كذلك يطمئنون إلا بطاعة رب العالمين سبحانه وتعالى.
كثيرٌ من الناس ما إن انتهى رمضان وكأنه أزال حملًا ثقيلًا من على ظهره، “الحمد لله انتهينا من رمضان” سبحان الله، الناس تبكي وتحزن على مواسم الطاعة، وهذا كأنه أزال حملًا كبيرًا ثقيلًا كالجبل من على ظهره، أنه أدى هذه العبادة وانتهى من هذه العبادة، والله أعلم كيف أدى هذه العبادة، هل هي عادة أو أنها عبادة؟ هل قُبِلت منه أو لم تُقبل؟
بل من آثار قبول الطاعات والعبادات -يا عباد الله-، كان أسلافنا يستدلون على أن الإقبال على الخير بعد الخير هذه من علامات القبول عند الله جل وعلا، وفَّقه للحسنة الثانية كما وفَّقه للحسنة الأولى، فإذا لم يوفَّق للحسنة الثانية لم تُكتب له الحسنة الأولى.
فعلينا -يا عباد الله- أن نُراجع أنفسنا مع الله، نُحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب، ونزن أعمالنا قبل أن تُوزن علينا يوم القيامة، الله المستعان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، مما يعين -يا عباد الله- على البقاء على الطاعة، وعلى البقاء على القربة والمبرة بعد انتهاء مواسم الخير، هو أن يحافظ الإنسان على النوافل، فإن المحافظة على النوافل مدعاة للمحافظة على ما فرض الله جل وعلا، والتسييب للنوافل تسييبٌ وتضييع للفرائض.
ومن ذلك أيضًا -يا عباد الله- أن يلتزم الإنسان صُحبة الأخيار الصالحين الذين يكونون عونًا لك على الطاعة وعلى المبرَّة، فإن الإنسان بحسب ما يعيش، فإن عاش في مجتمعاتٍ أعانتْه على الخير ونشِط للخير، وإن عاش في مجتمعاتٍ لا همَّ لهم إلا النوم والأكل والشرب والسياحة إلى غير ذلك، جاءت عليه الغفلة وقسا قلبه عن هذه العبادات وعن هذه الطاعات.
فحريٌّ بنا -يا عباد الله- أن نلتمسَ الأسباب التي بها نُعان على طاعة الله عز وجل وعلى مرضاته، وزِد على ذلك -يا عباد الله- الدعاء، فإن الدعاء لا يُحتقر، الدعاء عظيم، كان نبيُّكم صلى الله عليه وسلم يدعو كثيرًا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك))، واستُغرب من ذلك حتى سُئل عليه الصلاة والسلام، فقال: ((إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء)).
تسأل ربك دائمًا وأبدًا الثبات على الخير، فإن الخير قد لا يبقى معك إذا لم تسأل الله جل وعلا أن يُثبِّتك على الخير، الخير نعمة -يا عباد الله-، والنعمة تحتاج إلى شكر، والشكر من أسباب بقاء النعم وازدياد النعم، كما قال الله جل وعلا: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
الصحة نعمة -يا عباد الله-، الفراغ نعمة، وجود الولد نعمة، وجود الزوجة نعمة، وجود البيت نعمة، البصر نعمة، القوة تمشي على رجليك، إلى غير ذلك، هذه نعم وأنت لا تدري، والله إنها نعم وأنت لا تدري، متى تدري -يا عبد الله-؟ إذا فُقِدت منك هذه النعمة، إذا أصبحت أعمى بعد بصر تعرف قدر البصر، إذا أصبحتَ طريحَ الفراش تعرف قدر الخروج والدخول على قدميك.
وهكذا تعداد النعم يطول بالإنسان، فما أنت فيه -فوالله- إنها تُعتبر نعمًا، هذه النعم تبقى وهكذا تزداد بشكر الله جل وعلا، فإن النعمة إذا شُكرت جلبت الأخرى، النعمة إذا شُكرت جلبت الأخرى.
فهكذا ينبغي على العبد شكر النعم، -يا عباد الله- ليس شكر النعم بقولك “أشكر الله جل وعلا”، شكر النعم -يا عباد الله- إنما يكون بتسخير هذه الجوارح في طاعة الله جل وعلا، وهكذا أيضًا اللسان في طاعة الله عز وجل، تُسخِّر كلَّ هذه الجوارح التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليك في طاعة الله، هذا هو الشكر، هذا هو الشكر.
لهذا، لخَّص شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله الشكر لله، قال: “هو العمل بالطاعة امتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي” هذا هو شكر الله جل وعلا، لا يكفي أن يقول الإنسان أحمد الله، أشكر الله جل وعلا، هذا مطلوب، ولكن -أيضًا- لا بد من اعتقاد القلب مع كذلك عمل الجوارح، وهكذا اللسان حتى تتوفر أركان الشكر، فإن للشكر أركانًا لا يكون كماله ولا تمامه إلا إذا توفرت أركانه.
فهكذا ينبغي عليك -يا عبد الله- أن تستشعر هذه النعم التي أنت فيها، فما أنت فيه من النعمة هذا -والله- خير، فعليك -يا عبد الله- أن تسأل ربك دائمًا وأبدًا أن يوفِّقك للقيام بطاعته كالصلاة والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بر الوالدين، صلة الأرحام، كذلك أيضًا عدم أذية الجيران، إلى غير ذلك من الطاعات، وما أكثر الطاعات.
ولا يحتقر الإنسان طاعة، فرب طاعةٍ صغيرة تبلّغ الإنسان الجنة، أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل دخل الجنة بسبب شوكة أو أذى أزالَه عن طريق المسلمين؟ الأعمال كثيرة -يا عباد الله-، لا نحتقر الأعمال، لا نحتقر الأعمال، فإنك بإذن الله عز وجل إن عملتها واحتسبتها عند الله جل وعلا ستجدها يوم القيامة كالجبال، وتفرح بها، تفرح بها بهذه الأعمال إذا كانت خالصة لله جل وعلا، وإن كانت قليلة.
كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يداوم على العمل ولو كان قليلًا، يداوم عليه، الدوام على العمل هذه ميزة أهل الإسلام، وهذه علامة أهل الإسلام والإيمان، الدوام، إذا فعلت الطاعة داوم عليها، إذا فعلت الطاعة داوم عليها.
اجعل لك وردًا من القرآن كما كنت في رمضان، اقرأه قراءة، اقرأه فقط ولو لم تحفظ، اقرأه قراءة، حافظ على هذا الورد، حافظ على صلاة الضحى، حافظ على الرواتب القبلية والبعدية، حافظ على أذكار الصباح والمساء، حافظ على الأذكار في كل وقتٍ وحين، كان نبينا صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيان، إذا كان يذكر الله جل وعلا على كل أحيان يبقى قلبه حيًّا بإذن الله عز وجل، لا يموت أبدًا ما ذكر الإنسان ربه سبحانه وتعالى.
لهذا كانت من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله))، وصايا يوصي بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فلا تغفل -يا عبد الله- عن الطاعات، وما أكثر أبواب الطاعات، لا تغفل عن الخير، وما أكثر أبواب الخير، كن مِغلاقًا للشر، مفتاحًا للخير في كل وقتٍ وحين، فكن خيرًا ولا تكن شريرًا -يا عبد الله-.
واستعذ بالله عز وجل من الشيطان الرجيم، فإنه إنما يريد أن يفسد عليك أعمالك، فإن الإنسان بأعماله الصالحة يبني تلك البيوت وتلك القصور في جنة الله جل وعلا، فإياك أن تُسوِّل لك نفسك، وهكذا يؤزُّك الشيطان أزًّا حتى تهدم ما بنيت، خاصة في مواسم الخير وفي مواسم الطاعة.
ما أكثر الناس الذين يهدمون الطاعات إذا ولَّى رمضان، يرجع إلى ما كان عليه من القات، من الدخان، من كذلك ترك للصلاة، ترك للجمعة والجماعة، والسب والشتم، والغيبة والنميمة، إلى غير ذلك مما حرَّم الله جل وعلا، هذا حرمان، هذا -والله- حرمان، وعدم توفيق من الله جل وعلا، أن لا ينفعك بعد رمضان إلى ما كنت عليه من الخير، فتندفع إلى الشر.
استعذ بالله عز وجل من الشيطان الرجيم، فإن الشيطان حريص على هذا الإنسان ما دام على هذه الدنيا، يريد أن يُفسد أعمالك التي قد حققتها والتي قد بنيتها وجمعتها في مواسم الخير.
فالله الله -يا عباد الله- ألا نغفل بعد رمضان، فإنه إذا ولَّى رمضان ستأتي أشهر الحج، تأتي أشهر العمرة، هكذا تأتي مواسم أخرى من عبادات الله عز وجل، فلا ينقطع بالإنسان الخير، ولا ينقطع بالإنسان الطاعة حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى.
فما أحلى -والله- في حق أهل الإيمان حينما يتقلبون في الطاعات، حينما يتقلبون في الطاعات والقربات والمبرات، لأنهم لا يجدون الراحة والسعادة إلا فيها، فإذا ولَّت ندموا عليها، لأنها تذهب معها الراحة، وتذهب معها السعادة والطمأنينة، وإذا جاءت فرحوا.
فإن العبد -أينما كان- يحب أن يكون دائمًا مرتاحًا مطمئنًا سعيدًا، فبماذا تسعد؟ إنما تسعد بطاعة الله عز وجل، تسعد بمرضاة الله عز وجل، فإذا تحوَّل الإنسان عن مرضاة الله جل وعلا جاءته الشقاوة، وجاءته الكآبة، وجاءه الضيق، لا شك أنه لا يحيا الإنسان الحياة الحقيقية، الحياة الكاملة إلا مع ربه جل وعلا.
فلنحرص جميعًا رجالًا ونساءً، ذكورًا وإناثًا، صغارًا وكبارًا على مرضاة الله جل وعلا، ولا نغفل عن طاعته سبحانه وتعالى.
الله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم فرِّج عن إخواننا المستضعفين من أهل الإيمان في كل مكان، فإنه قد تكالب عليهم الأعداء من كل مكان، من صفويين ومن صليبيين، يريدون هدم الإسلام وأهله، يريدون انتهاك الأعراض وأخذ الأموال.
أسأله سبحانه وتعالى بمنِّه وكرمه أن لا يُمكِّن لهؤلاء من أهل الإسلام، وأن يجعلهم عبرةً لكل معتبر في هذه الدنيا.
اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم عليك باليهود والنصارى والغاصبين لأرض أهل الإسلام ولأموال أهل الإسلام والمنتهكين لأعراض أهل الإسلام.
اللهم عليك بهم، خذهم أخذ عزيزٍ مقتدر، اللهم اشدد وطأتك عليهم يا رب يا كريم.
أسأله سبحانه وتعالى بمنِّه وكرمه وإحسانه وتوفيقه أن يوفِّقنا وإياكم لطاعته ومرضاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله.

