الأثنين 24 ذو القعدة 1447هـ 11-5-2026م 5:22 م

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما بعد، فيا عباد الله، اعلموا أن المحافظة على نوافل العبادات بها بإذن الله عز وجل ترفع الدرجات، وتذهب الخطايا والسيئات، وبها تحفظ الفرائض والمكتوبات. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر عن ربه تبارك وتعالى: ((وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)).

عباد الله، إن المحافظة على نوافل العبادات تعتبر حصنا منيعا للمحافظة على المكتوبات والمفروضات، حاجزا يجعله العبد ما بينه وبين الفرائض. وبالمحافظة على نوافل العبادات يرجى أن يتحصل العبد بإذن الله عز وجل على دخول الجنة.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال الحبشي رضي الله عنه: ((إني سمعت دف نعليك في الجنة، أخبرني بأرجى عمل)) قال بلال رضي الله عنه: ما توضأت وضوءا إلا صليت به ما كتب الله لي، أي بذلك الوضوء يتنفل، فكان هذا من أسباب سماع دف نعليه من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وقال: إن هذا من أرجى الأعمال.

المحافظة على النوافل -يا عباد الله- تكسب الإنسان محبة الخير، وتعوده على الخير، فإن الإنسان إذا داوم على الخير شق عليه أن يمتنع وأن يتخلف عن الخير. والمداومة على الخير -يا عباد الله- كنوافل العبادات، بها يُعصم بإذن الله عز وجل الإنسان من الفتن.

ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الولي قال: ((وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل)) وذكر أن العبد الذي داوم وما زال يتقرب إلى ربه تبارك وتعالى بالنوافل وبالتطوعات، وإن كانت صلاة أو صياما أو صدقة أو حجا أو عمرة أو غير ذلك، فهي بإذن الله عز وجل من أسباب عصمته من الفتن.

وما أكثر الفتن -يا عباد الله- ونحن في آخر الزمان، فتن كقطع الليل المظلم، أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الرجل يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، ويمسي مؤمنا من كثرة الفتن. فإذا أردت -يا عبد الله- أن يحال بينك وبين الفتن، وهكذا تصبح -بإذن الله عز وجل- موفقا مسددا، فعليك بكثرة الطاعات، بكثرة الطاعات التي زادت على المكتوبات، فإنها والله تعتبر حصنا منيعا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

هذا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن هذا الأمر أن الإنسان سيسدد ويوفق بإذن الله عز وجل إلى كل خير إن داوم على ذلك، وهي زاد للمسلم بما زاد على فرائض الله، وخير ما يتزود به المسلم في هذه الدنيا هي الطاعة، خير ما يتزود به المسلم في هذه الدنيا هي الطاعة، كما قال الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ}.

الإنسان يستطيع أن يصبر عن الطعام اليوم واليومين وربما الثلاثة، لكن إنسانا تعلق قلبه بالطاعة يعز عليه أن يفارقها، لهذا كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لربما واصل الصيام الليلة والليلتين والثلاث، والسبب في ذلك محبته لربه تبارك وتعالى، والقرب من ربه تبارك وتعالى أنساه الطعام والشراب، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((إني أبيت يطعمني ربي ويسقين)) بماذا؟ بقربه وأنسه من ربه تبارك وتعالى.

فإياك -يا عبد الله- أن تهاون بالفرائض، فإنها تسدد ما حصل من التقصير وما حصل من التفريط في فرائض الله جل وعلا، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جل وعلا يقول لملائكته: ((انظروا هل لعبدي من تطوع)) أن يُسَدُّ بها ما حصل من الخلل من فرائض الله ومن مكتوبات الله عز وجل عليه.

وهكذا أيضا الحكمة، ذكر العلماء أن الحكمة من صدقة الفطر هي ما يحصل للإنسان كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم من اللغو والرفث، وذلك أن الإنسان ليس بمعصوم، يحصل منه الخطأ، فيقصر في الواجبات وربما انتهك المحرمات، فمن رحمة الله جل وعلا بعباده أن جعل ما يسد مقام هذا الخلل وما يقوم مقام هذا الخلل.

إن الله جل وعلا -يا عباد الله- يتودد إلى عباده، هذه -والله- رحمة من الرب سبحانه وتعالى نحو عباده، أنهم إذا تطوعوا نفع هذا التطوع. وهكذا -يا عباد الله- فإن النوافل التي زادت على الفرائض تعتبر رصيدا مخزونا للإنسان، وخاصة في حال فراغه وفي حال صحته وقوته.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ))، فإن الإنسان اليوم صحيح وفي الغد يعتبر مريضا، وهكذا الإنسان في هذا اليوم يعتبر فارغا فلعله يشغل، وهكذا الإنسان اليوم قوي وربما يرد عليه الضعف، وهكذا الإنسان ربما حي في هذه الدنيا في الغد يُعَدُّ من الأموات، فينقطع عن الخير وينقطع عن العمل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث)).

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي يوم وينقطع الإنسان عن الأعمال، فهذه والله فرص الصحة والفراغ والقوة، إن لم تغنم في الخير فإنها ستضيع على الإنسان ويصبح مغبونا، يتأسف ويتحسر أن أضاع هذه الفرص من قوة ومن نشاط ومن صحة ومن حياة إلى غير ذلك، حينما يرى تلك المنازل يوم القيامة يتمنى أنه قد تزود في هذه الدنيا.

إن الفراغ -يا عباد الله- يعتبر نعمة عظيمة، كثير من الناس ابتلي بالفراغ، إن لم تشغل الفراغ بالخير شغلك بالباطل، هكذا هو حال النفس -يا عباد الله-، إن لم تشغلها في الخير شغلتك في الباطل والشر، وأضاعت منك الفرص التي سنحتْ لك في هذه الدنيا بأن تتقرب بالقليل والكثير، فإن هذا به تُرفع الدرجات.

كما قال الله جل وعلا لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}. فالتطوع -يا عباد الله- من أسباب غفران ما تقدم من الذنوب، جاء من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه أنه وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((من صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه إلا غفر له ما تقدم من ذنبه)).

انظر إلى هذه الرحمة، يعمل الإنسان قليلا ويتحصل على الكثير من الخير، إنها الحسنات التي تتضاعف، وإنها السيئات التي تتلاشى، إن دل إنما يدل على رحمة الله جل وعلا بخلقه وعباده، والله المستعان.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: اعلموا عباد الله أن أبواب الخير كثيرة ليست محصورة في صلاة ولا في صيام، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا كف شره عن غيره من أهل الإيمان والإسلام كانت صدقة للإنسان.

انظر إلى أبواب الخير ما أكثرها -يا عبد الله-، هكذا يزيل الإنسان شوكة أو زجاجة من الطريق فإنها تعتبر من الصدقات، بل هي من أسباب دخول الجنة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يتقلب في الجنة، وما ذاك إلا لأنه أزال ضررا عن طريق المسلمين من شوك، من زجاج، من أذى، عمل قليل أوجب له الجنة.

وهكذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم باغية من بني إسرائيل، أي زانية، ماذا فعلت هذه المرأة؟ سقت كلبا، لم تسق إنسانا وإنما سقت كلبا، فغفر الله جل وعلا لها وأدخلها الجنة. ما أعظم رحمة الله جل وعلا بعباده حينما يعمل العبد القليلَ من العمل ويؤجر بالكثير.

ولكن -يا عباد الله-، الدوام على الخير، الدوام على الخير، ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه))، فإذا أحبك الله جل وعلا فإنها -والله- من أعظم الجوائز التي يتحصل عليها العبد أن يكون محبوبا لرب العالمين سبحانه وتعالى، فإذا أحبك سددك ووفقك ربك سبحانه وتعالى.

ومن ذا الذي لا يحب أن يحبه الله سبحانه وتعالى؟ الكل يطمع في ذلك، ولكن -يا عبد الله- عليك أن تعمل بما يكون سببا في محبة الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا يحب من عبده أن يكون دائما وأبدا متصلا به، ولهذا سميتْ الصلاة من الوصل والاتصال برب العالمين سبحانه وتعالى.

فاحذر -يا عبد الله- أن تنقطع عن الخيرات. جاء عن بعض التابعين أنه سمع حديثا من علي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن كل إنسان يوم القيامة في ظل صدقته، قال هذا الإنسان وهو أحد التابعين أحد رواة الحديث عن علي رضي الله تعالى عنه وهو أبو الخير: “ما مر علي يوم من الأيام إلا وتصدقت، فإن لم أجد إلا بصلة تصدقت بها.” أولئك القوم الذين أدركوا المعنى، ما المعنى؟ ما الحكمة؟ ما الغاية من وجود هذا الإنسان على هذه الدنيا؟ إن هذه الدنيا دار زرع، دار اجتهاد، دار عمل، أما يوم القيامة فإنها دار الحساب، ثم بعد ذلك إما إلى دار الشقاء وإما إلى دار السعادة.

فاعمل لنفسك -يا عبد الله-، وإياك أن تتلهى بهذه الدنيا بولد أو بزوجة أو بمال، وهي متاع من متاع هذه الدنيا وزينة من زينة هذه الدنيا، ولكن ما ينتظر أعظم، ما ينتظر عند الله جل وعلا أعظم. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)).

إياك -يا عبد الله- أن تضحي بالغالي والنفيس مقابل الحطام الذي يذهب في هذه الدنيا، {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ}.

الله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *