الأحد 30 ذو القعدة 1447هـ 17-5-2026م 10:12 م

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ففي هذا المقام، وفي هذه الخطبة، نتذاكر سيرة الخليفة الراشد الثاني بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أبي بكر الصديق، سيرة الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وما عسانا أن نقول في هذا الخليفة، فإن سيرته وفضائله وأمجاده كثيرة جدا، لكن نذكر في هذا المقام ما يسره الله جل وعلا من سيرته ومن مناقبه رضي الله تعالى عنه.

ويا عباد الله، حينما نقص هذه القصص، وهكذا نحكي هذه الحكايات، لا على أنها لمجرد الحكاية أو مجرد القصة، لكن يا عباد الله حتى نأخذ العبرة ونتأسى بهؤلاء الأفاضل وهؤلاء الأماجد.

يقول أبو هريرة -كما جاء في الصحيحين-: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بينما أنا نائم إذ رأيتني دخلت الجنة، فإذا بامرأة عند قصر تتوضأ))، والمقصود “تتوضأ” أي: تتنظف؛ لأنه لا تكاليف يوم القيامة. ((فقلت: لمن هذا القصر؟ -أي: يسأل الملائكة الذين عرجوا به-، فقالوا: لعمر. قال: فذكرت غيرة عمر، فولّيت مدبرا هاربا)). وكان عمر رضي الله عنه في المجلس، قال: فبكى عمر وقال: “أعليك يا رسول الله أغار؟”

هذه بشارة عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم للفاروق عمر أنه من أهل الجنة.

وهكذا أيضا ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما سلكت فجًا -أي: طريقا- إلا سلك الشيطان طريقا آخر)).

كان الشيطان يفرق من عمر ويخاف منه، وهذه من مناقبه؛ أي: يخاف من ذاته، من طوله وعرضه؟ لا والله، بل يخاف من الإيمان الذي يحمله الفاروق رضي الله تعالى عنه، فإن الإنسان إذا اشتد في دين الله عز وجل إيمانا وإسلاما، خافت الجن والإنس منه، وجعل الله عز وجل له هيبة، وجعل الله عز وجل له احتراما وإجلالا.

هذا الشيطان يفرق من عمر؛ لا يسلك فجًا -أي: طريقا- ويرى عمر رضي الله عنه، إلا يسلك فجًا آخر خوفا ورهبا من عمر رضي الله تعالى عنه، مع أنه لا يراه، أي: إن عمر لا يرى الشيطان.

وهكذا أيضا من مناقبه رضي الله تعالى عنه، من حديث أبي هريرة في الصحيحين، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الأمم السابقة محَدَّثون مكَلَّمون، أي: بمعنى ينطقون بالصواب كأنه يوحى إليهم، وهم كُثُر في تلك الأمم قبلنا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو كان في هذه الأمة محدثون مُلهَمون)) أي: يوافقون الصواب، إذا نطقوا وفقهم الله عز وجل للصواب، قال: ((لو كان في أمتي محدثون مُكَلَّمون لكان عمر من المكلمين من المحدثين)).

ولهذا كان عمر رضي الله تعالى عنه يوافق الوحي في حوادث عدة، أي: أن عمر يذكر كلاما وأحكاما، فيأتي الوحي من رب العالمين سبحانه وتعالى يوافق عمر على ما يقول.

وهكذا من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه -بشارة لعمر رضي الله تعالى عنه أنه يموت شهيدًا، هنيئًا له-: فكان بوابًا على مكانٍ جَلَس فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر فقال: ((ائذن له أن يدخل))، فدخل أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء عمر فقال: ((ائذن له، وبشره بالجنة))، مبَشَّر من النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو على الأرض يمشي، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وهكذا أيضًا رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المنامات منامات الأنبياء تعتبر وحيًا بالإجماع؛ فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم ((أنه ينزع من بئر، ثم أعطى هذا الدلو إلى أبي بكر الصديق، فنزع منه ذَنوبًا أو ذنوبين -أي: دلاء صغيرة-، ثم ناوله إلى عمر، فاستحال هذا الدلو غربًا -أي: دلوًا كبيرًا-، حتى سقى الناس بِعَطَن، وما رأيت عبقريًا يفري فريه)).

ذكر العلماء عند تفسير هذا الحديث: أن في زمن عمر تكثر الفتوحات، وبالفعل فإن زمن عمر رضي الله تعالى عنه فتحتْ الشام والعراق ومصر وهكذا بلاد الفرس، فتوسعت رقعة أهل الإسلام توسعًا عظيمًا في زمن عمر، ومكث في الخلافة نحو عشر سنوات.

هذا هو تفسير هذه الرؤية العظيمة، فقام بأمر الدين والدنيا؛ لا تجد في زمن عمر من يشكو فقرًا أو ظلمًا؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه كان مُهابًا من الكُلّ، حتى إن عطيّة ما يتعلق بالمؤلفة في زمنه عطَّلها؛ ما يتألف أحد على الإيمان والإسلام في زمن عمر، ولم يبق إلا الإسلام والإيمان في زمن عمر، فكان مهابًا رضي الله تعالى عنه.

فتوسعت رقعة الإسلام توسعًا عظيمًا في زمنه؛ حَكَمَ فعَدَل فأمن فنام رضي الله تعالى عنه. لربما حكم عمر بحكم في الرعية، ثم يقول لقرابته: “فإني حكمت بحكم، وإن الرعية ينظرون إليكم، فمن خالف حكمي ضاعفت عليه العقوبة”.

يهدد قرابته، أي: بمعنى أن أول من يمتثل الأوامر والنواهي هم نحن -يا عباد الله-، يقول لهم هكذا عمر رضي الله تعالى عنه.

وهكذا كما جاء في الصحيح: رأى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم، ((عُرض عليه أناس عليهم القُمُص -أي: الثياب-، منهم من عنده قميص إلى ثَديه، ومنهم دون ذلك، قال: فمر عمر وعليه قميص يجرّه))، قالوا: بما فسرته يا رسول الله؟ قال: ((بالدين)). أوتي عمر دينا عظيمًا وإيمانًا واسعًا، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وهكذا كما جاء في الصحيح: ((أوتي النبي صلى الله عليه وسلم في المنام -ورؤيا الأنبياء وحي من رب العالمين- بقدح من لبن، فشرب منه النبي صلى الله عليه وسلم حتى رؤي الرِّيّ يخرج من تحت أظفاره -أي: امتلأ النبي صلى الله عليه وسلم علمًا وإيمانًا-، ثم أعطى القدح إلى عمر)). ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم والإيمان.

وهكذا، يا عباد الله، كما جاء في الصحيح: صعد النبي صلى الله عليه وسلم على جبل أحد المعروف، فارتجف الجبل، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم قدمه على الجبل، فقال: ((أُحُد، اثبُت! فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان)). النبي هو النبي عليه الصلاة والسلام، والصديق هو أبو بكر الصديق، والشهيدان عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.

وهكذا، النبي صلى الله عليه وسلم في المنام رأى ما يرى الرائي فيما سيحصل من الأزمان القادمة: ((أن راعيًا على غنمه، فعدا عليها ذئب، فأخذ غنمة، فاستنقذها الراعي منه، فالتفت إليه الذئب وقال: من لها يوم السبع، يوم لا راعي غيري؟)) بمعنى: أنه في آخر الزمان لا يبقى إلا الحيوانات والأغنام، لا يبقى أحد من البشر في آخر الزمان.

ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرؤيا؟ قال: ((أنا أؤمن بذلك، وأبو بكر وعمر))، مع أن أبا بكر وعمر لم يكونا موجودين؛ شهد لهما النبي صلى الله عليه وسلم بتصديق هذه الحادثة، مع أنها من خوارق العادات، ذئب يتكلم وبقرة تتكلم. قال: ((أنا أؤمن بهذا وأصدق بهذا، وأبو بكر يؤمن بهذا، وعمر يؤمن بهذا))، شهادة عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم للفاروق؛ أنه يصدق بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. والله المستعان.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

فعمر رضي الله تعالى عنه في زمنه يتكلم مع الرعية وهو في الحج، فيقول: “إني أُرسل عُمَّالي لا ليضربوا أبدانكم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم”. ثم قال رضي الله تعالى عنه: “فبلّغوني عن أحد يأخذ أموالكم أو يضرب ظهوركم”.

يتفقد عمر، مع أن رقعة الإسلام توسعت، ولكن مع توسع هذه الرقعة كان العدل ظاهرًا. إيمان ودين وقيام بأمر الدنيا، وليس هذا فحسب يا عباد الله، كان يقوم على آله وولده، وكان يقوم بعبادة ربه. إنها البركة يا عباد الله؛ إذا قوي الإيمان في قلب العبد بارك الله عز وجل له.

عمر رضي الله تعالى عنه خُتم له بالشهادة على يدي من يحارب أهل الإسلام في كل زمان ومكان، إنهم المجوس الروافض وأذنابهم من الحوثيين.

اقرأ التاريخ يا عبد الله، فإن خطر المجوس والرافضة والحوثيين على أهل الإيمان والإسلام أعظم -واللهِ- من خطر اليهود والنصارى، فقد فرحنا -والله وتالله وبالله- فرحًا عظيمًا أن سلط الله عز وجل كافرًا على زنديق، سلط الله اليهود والنصارى على هؤلاء، لم تسلم اليمن ولا سوريا ولا لبنان ولا العراق، عثوا في الأرض فسادًا، ثم يأتي الخَوّان المسلمون يدافعون عن هؤلاء، ولم تر لهم دفاعًا عن أهل الإسلام من هؤلاء المجوس، ويتألَّـمون: لماذا تُضرَب إيران؟ ولماذا يضرَب المجوس؟ ولماذا يضرب الرافضة؟

نخشى -والله- على هؤلاء الذين يمتدحون ويثنون ويدافعون عن هؤلاء المجوس، قتلة الصحابة، سبابة الصحابة، الطاعنين في عرض النبي عليه الصلاة والسلام.

ألم تعلم أن من عقائد الرافضة: الوقوع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، الطاهرة الصديقة المبرأة؟ أولم تعلم ذلك؟ لا يعترفون بأنها أم لهم، لا يعترفون بقرآن ولا بسنة ولا بأحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بل جعلوا كذبًا وزورًا وتلبيسًا.

آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام فوق كل أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لذَرِّ الرماد في العيون.

من الذي قتل عمر الفاروق ومات شهيدًا؟ قتله المجوسي، سبب قتله حقده على عمر، لأنه الفاتح لبلاد فارس. اعرفوا هذه الحقائق يا عباد الله، هم -واللهِ- أخبث وأرجس من اليهود والنصارى. وشرف -والله- لمن قاتل هؤلاء ولمن دعا على هؤلاء، شرف -والله- عظيم.

عمر رضي الله تعالى عنه في الصلاة، وإذا بهذا العلج المجوسي أبي لؤلؤة، الذي أحسن إليه عمر، قد جهز خنجرًا مسمومًا طرفيه، وإذا به يطعن عمر رضي الله تعالى عنه على صدره وخاصرته، فحمد الله عمر أنه ما مات على يد مسلم، وإنما مات على يد كافر.

تدري ما حال أبي لؤلؤة المجوسي عند هؤلاء المجوس؟ جعلوا عليه مشهدًا وقبة ومزارًا يعظمونه، تدري لماذا يعظمونه؟ لأنه قاتل عمر، فعليك أن تعرف هذه الحقائق يا عبد الله، وتترضى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

تترضى عنهم، قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي))، أي: لا تتنقصوهم بشيء من أنواع التنقصات، ((فوالذي نفسي بيده -يقسم النبي صلى الله عليه وسلم- لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)).

تدري لمن خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب؟ خاطب به سيف الله، فإنه قد حصلت بين عبد الرحمن بن عوف وخالد رضي الله تعالى عنهما شحناء، فسب خالد رضي الله تعالى عنه عبد الرحمن بن عوف، فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ ((لا تسبوا أصحابي)). يقول لخالد؛ ((فوالله، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))، أي: مما قام به أصحاب النبي.

هذا في خالد، فما بالك بمن جاء بعد خالد؟! حب الصحابة دين وإسلام وإيمان، وبغض الصحابة كفر ونفاق يا عباد الله. احذروه، وحذّروا ممن يقع في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم!

انظروا إلى أنس رضي الله تعالى عنه -كما في الصحيح-: جاء رجل إلى رسول الله، فقال: “متى الساعة؟” فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ ((ماذا أعددت لها؟)) قال: “لم يكن عندي شيء من الأعمال، إلا أنني أحب الله ورسوله”. فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ((أنت مع من أحببت))؛ ولو كنت مقصرًا في الأعمال.

قال أنس رضي الله تعالى عنه: “فما فرحنا بمثل هذه البشارة”، قال: “فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر”؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما فارقهم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، ظنوا أنهم لا يلتقون بهم، من محبتهم للصحابة، فجاءت هذه البشارة، ما عندهم كبير أعمال يبلغون بها ما بلغ بها النبي وأبو بكر وعمر، لكن عندهم المحبة للنبي عليه الصلاة والسلام ولأبي بكر ولعمر، هذه تبلّغهم بإذن الله عز وجل تلك المنازل، يا عباد الله.

اللهَ أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *