الأثنين 24 ذو القعدة 1447هـ 11-5-2026م 3:04 م

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

يقول الله جل وعلى في كتابه الكريم: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}

هذه الأية -يا عباد الله- تعتبر أصلا عظيما من أصولِ الخيرِ الدالَّةِ على أمرِ التعاونِ على الخير وعلى البرِّ، فإنَّه لا قيامَ للمصالحِ في معاشِنا وفي معادِنا إلا إذا تعاونَّا على البرِّ والتقوى، وبقدرِ تعاونِ الناسِ على البرِّ والتقوى في هذه الدنيا يُصلِحُ الله جلَّ وعلا معايشَهم، ويُصلِحُ الله سبحانه وتعالى معادَهم، بقدرِ ما يحصلُ منهم من التعاون على البرِّ والتقوى.

وحقيقةً -يا عباد الله-، نرى أنَّ المصالحَ في هذه الحياةِ الدنيا ضعفت، وسببُ ضعفِها ضعفُ القيامِ بهذه الشعيرةِ العظيمة، ألا وهي التعاونُ على البرِّ والتقوى، والتناهي عن ذلك، ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان، وعدمُ التناهي عن الإثمِ والعدوان.

فهذه الآيةُ تدعو إلى أصلٍ عظيمٍ من أصولِ دينِنا، وهي شعيرةٌ من شعائرِ دينِنا، وكأنَّ هذه الآيةَ العظيمةَ تُحاكي شعيرةً من شعائرِ الإسلامِ العظيمة، هذه الشعيرةُ -يا عباد الله- شعيرةُ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر، الذي مدحَ الله جلَّ وعلا هذه الأمةَ لأنَّها قائمةٌ بها: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.

من أعظمِ صفاتِ هذه الأمةِ أنَّها آمِرَةٌ بالمعروف، ناهيةٌ عن المنكر، قال بعضُ العلماء: “لو كان للإسلامِ ركنٌ سادسٌ لكان الركنُ السادسُ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر”، لما يُتحصَّلُ من وراءِ هذه الشعيرةِ من مصالحَ عظيمةٍ للأمةِ في معاشِها وفي معادِها، فإنَّه -والله- لا قيامَ للأمةِ إلا أن تكونَ آمِرَةً بالمعروف، ناهيةً عن المنكر.

فهذه الآيةُ تُحاكي هذه الشعيرةَ العظيمة: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، والناسُ طرفان: منهم من يتعاونُ على الإثمِ والعدوان ولا يتعاونُ على البرِّ والتقوى، ومنهم الطرفُ الآخر من يتعاونُ على البرِّ والتقوى، وهكذا لا يتعاونُ على ذلك، النهيُ عن المنكر أو الوقوعُ في المنكر.

{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ، فالناسُ طرفانِ في هذه الآيةِ، في هذه الحياةِ الدنيا، وقرنَ الله جلَّ وعلا في هذه الآيةِ بين البرِّ والتقوى، فإنَّ البرَّ إذا قُرِن بالتقوى، البرُّ يدلُّ على معنى، والتقوى تدلُّ على معنى آخر، فإنَّ باقترانِ البرِّ والتقوى، فإنَّ البرَّ يدلُّ على القيامِ بالمأمورات والتعاونِ على المأمورات، والتقوى تدلُّ البعد عن المُحرَّمات والمحضورات.

وإذا أُفرِدَ البرُّ دلَّ على المعنيين: الإتيانِ بالمأمورات والبُعدِ عن المحظورات، وهكذا التقوى إذا أُفرِدَت دلَّت على المعنيين: القيامِ بالمأمورات والاجتنابِ للمحظورات، وهذا هو دينُ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى من أوَّلِه إلى آخرِه، فإنَّه ما بين مأمورٍ وما بين محظور، ما بين القيامِ بالمأمورات والاجتنابِ للمحظورات، هذا هو دينُ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى.

فالقيامُ -يا عباد الله- بهذه الشعيرةِ العظيمة، شعيرةِ التعاونِ على البرِّ والتقوى، وهكذا التناهي عن المنكر، {وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان}، شعيرةٌ من شعائرِ الإسلام تدلُّ عليها هذه الآيةُ العظيمة، بل إنَّ من الفقهاءِ من جعلها قاعدةً فقهيةً، فاندرج تحتها من الفروعِ ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

والإنسانُ في بابِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر، أو في بابِ هذه الشعيرة: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، يبدأُ بنفسِه أولًا، ثم يتعاونُ مع إخوانِه من أهلِ الإيمانِ والإسلامِ على إقامةِ البرِّ والبُعدِ عن الاعتداء.

إذا أردنا أن تقومَ لنا قائمةٌ في هذه الدنيا، وتعظُمَ المصالحُ وتتحقَّقَ لنا المصالحُ، وتندفعَ عنَّا المضارُّ والمفاسدُ في هذه الدنيا، فلنُحيِ هذه الشعيرةَ العظيمة، فإنَّ نبينا عليه الصلاة والسلام هو القائل: ((من سنَّ في الإسلامِ سنَّةً سيئةً كان عليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة)).

لما ذكرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أحدَ ابني آدم هو أولُ من سنَّ القتلَ بغيرِ الحق، كان عليه وزرُ قتلِ أخيه، وهكذا وزرُ من قتل بغيرِ حقٍّ إلى يوم القيامة، قال الله جلَّ وعلا: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ}.

فاحذرْ -يا عبدَ الله- أن تكونَ داعيةَ شرٍّ لا داعيةَ خير، احذرْ أن تتعاونَ على الشرِّ ولا تتعاونَ على الخير، فإنَّك تتحمَّلُ وزرَك ووزرَ من سارَ على طريقِك ونهجِك إلى يوم القيامة: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ}.

فاحذرْ -يا عبدَ الله- أن تكونَ من هذا الصنف، وأبوابُ الخيرِ -يا عباد الله- والتعاونُ على البرِّ والتقوى، منهما أوجبَه الله جلَّ وعلا، وذلك في الواجبات، وتعاونوا على البرِّ، فإن كان واجبًا فإنَّه يجبُ عليك أن تتعاونَ عليه، وإن كان مستحبًّا فإنَّه يُستحبُّ لك أن تتعاونَ فيه.

وهكذا أيضًا النهيُ عن الإثمِ والعدوان، إن كان من المحرَّمات فإنَّه حرامٌ عليك أن تتعاونَ على الإثمِ والعدوان، وإن كان من المكروهات فإنَّ هذا خلافُ الأولى أن تتعاونَ على الإثم، وهكذا المكروهاتُ والمحرَّمات.

فيا عباد الله، إذا أردنا أن نسعدَ في الدنيا والآخرة فعلينا أن نُحقِّقَ هذه الشعيرةَ العظيمة، ما هو الذي يحولُ بينك وبيننا -يا عبدَ الله- أن تسعى في التعاونِ على البرِّ والتقوى؟ ألا تريدُ الجنة؟ ألا تريدُ أن تسعدَ في الدنيا والآخرة؟

فواللهِ وباللهِ وتاللهِ ليست السعادةُ في جمعِ الأموال وفي جمعِ الدنيا، إنما السعادةُ الحقيقيةُ التي لربما بحثَ عنها الملايينُ من البشرِ في هذه الدنيا، في راحةِ قلوبِهم واطمئنانِ نفوسِهم، وكيف ترتاحُ قلوبُهم وتطمئنُّ نفوسُهم بغيرِ مرضاةِ الله جلَّ وعلا وطاعتِه؟ ألا بذكرِ الله تطمئنُّ القلوب.

فإذا أردتَ -يا عبدَ الله- أن تسعدَ في الدنيا والآخرة، أن تسعى في نشرِ هذه الشعيرةِ العظيمة: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ}، تعاونْ على تحقيقِ ما أمرَ الله جلَّ وعلا به، وتعاونْ على البُعدِ عمَّا حرَّمَ الله جلَّ وعلا عنه، فإنَّك تكونُ من البررةِ الأتقياء.

فإنَّك تكونُ من البرِّ الأتقياء، وإذا حقَّقتَ هذا الوصفَ: البرَّ والتقوى لله جلَّ وعلا، قال الله جلَّ وعلا: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ}.

بتقوى الله وبتحقيقِ البرِّ فإنَّها تنفتحُ لك أبوابٌ وفرجاتٌ في هذه الحياةِ الدنيا، وما أكثرَ الكُرَبَ في هذه الحياةِ الدنيا، من هذا الذي لا يريدُ أن تنكشفَ كربُه، وهكذا مضايقُه، كلُّ إنسانٍ يريدُ ذلك ويسعى في ذلك.

والأمرُ بين يديك -يا عبدَ الله-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وتأمَّلْ ما جاء بعد هذه الآيةِ من الوعيدِ العظيم، قال: {وَاتَّقُوا اللَّه ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، أي إن لم تتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تتعاونوا على البُعدِ عن الإثمِ والعدوان، فيقولُ الله جلَّ وعلا: {وَاتَّقُوا اللَّه ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، دنيا وآخرة، فاللهُ المستعان.

الخطبة الثانية

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آله وصحبِه ومن والاه، أمَّا بعد:

فيا عباد الله، لا يتحقَّقُ للمسلم حقيقةُ معرفةِ البرِّ والتقوى إلا أذا تفقَّه في دينِ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، وأنَّى له أن يُدرِكَ البرَّ وأن يُدرِكَ التقوى لله جلَّ وعلا من غيرِ فقهٍ ومن غيرِ علم، فإنَّ الله جلَّ وعلا أمر العبادَ صغيرِهم وكبيرِهم، ذكرِهم وأنثاهم من أهلِ الإيمانِ والإسلام، أن يقولوا داعين في كلِّ ركعةٍ من صلواتِهم: اهدِنا الصراطَ المستقيم.

تدري ما معنى اهدِنا الصراطَ المستقيم؟ وأنت من أهلِ الصلاةِ ومن أهلِ العبادة، تسألُ الله جلَّ وعلا أن يُريك الحقَّ، وأن يُعرِّفك بالحق، وأن يُعلِّمك بالحق، ثم بعد ذلك تعملُ بالحق، فهذه الهدايةُ التي أمر الله جلَّ وعلا العبادَ أن يطلبوها من ربِّ العالمين سبحانه وتعالى.

كثيرٌ من الناس -يا عباد الله- يتلو كتابَ الله جلَّ وعلا ولا يتدبَّر معانيه ولا يُخطِئ معانيها، أنت -يا عبدَ الله- تقولُ في كلِّ ركعةٍ من صلاتِك فرضًا أو نفلًا حضرًا أو سفرًا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، تسألُ هدايةَ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، ما هذه الهداية؟ معرفةُ الحقِّ بدليلِه من كتابِ الله ومن سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم العملُ بهذا الحق، فهذه هي الهدايةُ -يا عباد الله-.

فأن يتأتَّى للمسلم أن يعرفَ البرَّ من غيرِه والتقوى من غيرِه، فلعله يتعاونُ على الإثمِ والعدوان، فيظنُّ أنَّ هذا من البر، ويتركُ أيضًا التعاونَ على البرِّ والتقوى، ويظنُّ أنَّ هذا من التعاون على الإثمِ والعدوان إن عكست عليه الأمور، والسببُ في ذلك البُعدُ عن التفقُّه في دينِ الله عز وجل.

ما الذي شغلك -يا عبدَ الله- أن تتفقَّه في كتابِ الله وفي سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنَّك -واللهِ وباللهِ وتاللهِ- ما خُلِقتَ إلا من أجلِ هذه الآية، فلم تُخلَق للأكلِ ولا للشربِ ولا للجماع، هذه ليست المقاصدَ التي أرادها الله جلَّ وعلا من عبادِه في خلقِهم، قال الله جلَّ وعلا في كتابِه الكريم: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، -إلا ليوحِّدون-، هذه الآيةُ وهذا هو المقصدُ الذي أراده الله جلَّ وعلا من عبادِه.

كثيرٌ من الناس إمَّا أنَّه يجهلُ أو يتجاهلُ هذه الحقيقة، إذا جهلتَ أو تجاهلتَ هذه الحقيقة -يا عبدَ الله-، فإنَّك يومَ القيامة تُعرَض على أصابِئ الندمِ والحسرةِ والأسف، لكن لا ينفعُ التحسُّرُ ولا التندُّمُ في ذاك المقامِ العظيم، فما دمتَ -يا عبدَ الله- في زمنِ الإمكانِ والعمل، فلتعملْ -يا عبدَ الله- بتحقيقِ ما أراده الله سبحانه وتعالى منك.

حقيقةً -يا عباد الله-، نرى غفلةً سحيقةً في أهلِ الإسلام، لا همَّ لأهلِ الإسلام إلا طلعَ السعودي ونزلَ اليمني إلى غيرِ ذلك من سياساتٍ ومن معاشات، لكن همَّ الدين وأمرَ الدين قليلٌ من يعنيه هذا الأمر، -يا عبدَ الله- إذا حقَّقتَ ما أراده الله سبحانه وتعالى منك، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُذلِّل لك الأرضَ تذليلًا.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابِه الكريم: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}، لكنه والله الغفلةُ والجهلُ بدينِ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، كثيرٌ من الناس لا همَّ له ولا كذلك شغلَ له إلا على الفيس وعلى الواتس، يراقبُ هذه الأخبار: نزلَ السعودي طلعَ السعودي، نزلَ الدولار طلعَ الدولار، إلى غيرِ ذلك من معايشِ هذه الدنيا، أمَّا الدين فكأنَّه -والله- لا يعنيه.

ولهذا ما بانَ الله عزَّ وجلَّ بهم، فدخلوا في فتنٍ لا يعلمها إلا ربُّ العالمين، من أعرضَ عن دينِ الله جعلَ له هذه عقوبتَه، شُغِل بما يُشغَل به، فمن شُغِل بغيرِ دينِ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، شغله الله بالسياسة، وهذا بالدنيا، وهذا بالتخريج، وهذا بالفتن.

فيا عباد الله، اتقوا الله عزَّ وجلَّ في أمرِ دينِكم، أردتم الدنيا؟ تريدون الدنيا؟ فعليكم بالدين، عزَّةٌ شرفٌ رُقيٌّ ارتفاعٌ بإذنِ الله عزَّ وجل، انظروا إلى أولئك القوم من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم، لما بُعِث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانوا، على أيِّ حالٍ كانوا، تلك الحالُ حقيقةً تُحاكي هذا الحالَ الذي نحن عليه لما ابتعدنا عن دينِنا.

انظروا إلى مبعثِ النبي عليه الصلاة والسلام، بُعِث فيهم أناسٌ لا يعلمون دينَهم، جهَّالٌ يتناحرون، فقراءُ عالة، فبعثَ الله جلَّ وعلا فيهم النبي عليه الصلاة والسلام، فملكوا الدنيا وملكوا أيضًا القوَّةَ والعزَّة، فكانت لهم العزَّةُ والقوَّةُ والرِّفعة، ما سببُ ذلك؟ سببُ ذلك -يا عباد الله- الدين.

من أراد الدنيا فعليه بالدين، من أراد السعادة فعليه بالدين، -والله- لا السياسةُ تُحقِّق لك هذه الأشياء، ولا القيلُ والقالُ يُحقِّق لك هذه الأشياء، الله عزَّ وجل قد تكفَّل بالأرزاق، ما هو فلانٌ ولا علانٌ هو الذي بيدِه الأرزاق، وبيدِه الخزائن، إنَّها بيدِ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى.

قوِّ صلتَك بربِّ العالمين واعتقادَك في ربِّ العالمين، فقل يا الله يا رب، يفتحِ الله سبحانه وتعالى عليك من فضلِه، فإنَّه هو الذي يعطي وهو الذي يُمسِك سبحانه وتعالى، بيدِه ملكوتُ السماواتِ والأرض، ولكنَّها لما ضعفت العقائدُ والإيمانُ والإعتقادُ في ربِّ العالمين، وكَّلنا الله عزَّ وجل إلى ما نعتمدُ عليه من متاعِ هذه الدنيا.

ألا فاتقوا الله -يا عباد الله-، وراقبوا الله عزَّ وجل، وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان،

اللهَ أسألُ بأسمائِه الحسنى وصفاتِه العُلى أن يجعلَنا هداةً مهتدين غيرَ ضالين ولا مُضلِّين.

اللهمَّ إنَّا نسألُك الهدى والتقى والعفافَ والغنى.

اللهمَّ آتِ نفسَنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *